نشرة كنيستي- العدد (22) بعد العنصرة- العدد 45
الأحد 08 تشرين الثَّاني 2020
كلمة الرَّاعي
النِّعمة والنَّاموس والقوانين والخلاص
”لأَنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ، بِالإِيمَانِ، وَذلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ. هُوَ عَطِيَّةُ اللهِ“ (أفسس 2: 8)
يعتقد البعض أنّ القوانين والشّرائع والنّواميس قادرة على أن تمنحهم الخلاص من خطاياهم، في حين أنّ الخلاص هو عطيّة مجّانيّة من الله الّذي افتدانا بدم ابنه الوحيد على الصّليب من عبوديّة الأهواء والإثم والشّرّير وحرَّرنا واهبًا إيّانا نعمة روحِهِ القدُّوس المطهِّرة والمقدِّسة، ”لأَنَّهُ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ كُلُّ ذِي جَسَدٍ لاَ يَتَبَرَّرُ أَمَامَهُ. لأَنَّ بِالنَّامُوسِ مَعْرِفَةَ الْخَطِيَّةِ“ (رومية 3: 20).
من هنا، لم تتوقَّف الكنيسة عن اعتبار النّاموس كلمة الله، لأنّ النّاموس يكشف خطيئة الإنسان ويَدينها، ولكن لا خلاص بالنّاموس بل برحمة الله ونعمته. لذلك، قال الرَّسول بولس: ”أَفَنُبْطِلُ النَّامُوسَ بِالإِيمَانِ؟ حَاشَا! بَلْ نُثَبِّتُ النَّامُوسَ“ (رو 3: 31). على ضوء هذا استمرَّت الكنيسة بوضع النَّواميس والقوانين لتساعد المؤمنين على معرفة ما ليس مستقيمًا أكان في العقيدة أم في عيش إيمانهم اليوميّ وللمساعدة على التّوبة والغلبة على الخطيئة. لكنّ القوانين مع كونها مُسْتَقاة من الكلمة الإلهيّة وتحمل في جوهرها تعليم الكنيسة ووصيّة الرَّبّ غير المرتبطة بزمان ومكان، إلّا أنّها في شكلها وتحديداتها العمليّة مرتبطة بالزّمان والمكان، ومن هنا قامت الكنيسة بتعديل بعض القوانين مع تقادم الزّمن بما ينسجم مع تأوين رسالتها وبشارتها في العصر الّذي تعيش فيه وواقع المؤمنين وقدراتهم. على سبيل المثال، يحدِّد القدّيس باسيليوس الكبير (القرن الرّابع) في قوانينه حرمان الزّاني-التّائب سبع سنوات من المناولة المقدَّسة، في حين يحدِّد القدّيس يوحنّا الصّوام (القرنين السّادس والسّابع) في بعض قوانينه حرمانه لسنتين من المناولة مع صومٍ قاس. من هنا، يوجد في الكنيسة مبدأ التّدبير الّذي بموجبه يحقّ للأسقف أن يحدِّد ما يراه مناسبًا لخير المؤمنين ولحسن الكرازة، ولو كان مخالفًا للقوانين الوضعيّة، والتّدبير يأتي من ضمن روح الإنجيل والمحبّة وبغاية ربح الخاطئ والشّهادة للرَّبِّ ولحبّه اللّامتناهي للبشريّة. الكنيسة ليست متحجِّرة ومكبّلة بقوانين جامدة لأنَّ روح الرَّبّ هو الّذي يقودها والرّوح لا يُقيَّد. مثال آخر، هو أنّ التّوبة كان علنيّة في الكنيسة الأولى، وهذا ما كانت تفرضه القوانين المجمعيّة والآبائيّة الّتي تبنّتها المجامع المسكونيّة، وبقيت هكذا في الشّرق إلى أن ألغاها بطريرك القسطنطينيّة نكتاريوس (القرن الخامس)، ولكن آخر توبة علنيّة كانت في القرن الحادي عشر (1080) للإمبراطور ألكسيوس كومنينوس. اليوم سرّ التّوبة والاعتراف يتمّ بين الكاهن والمُعترف.
* * *
أيُّها الأحبَّاء، لا نستطيع في هذه العجالة أن نُعطي موضوع القوانين والتّدبير حقّه، ولكن ما يهمّنا هو أن نوضح بأنَّ الخلاص هو بنعمة المسيح الّذي بذل نفسه من أجلنا وليس بتطبيق قوانين أو أحكام، بل بالسّلوك بمقتضى المحبّة الإلهيّة بقوّة الرّوح القدس الّذي بدونه نحن عاجزون عن إتمام أيّة وصيّة إلهيّة. الأزمنة تغيَّرتْ، النّاس صاروا أقرب إلى بعضهم البعض، الخلافات العقائديّة بين المسيحيّين لم تعد سببًا للحروب بينهم وللاضطهادات. اليوم زمن عيش المحبّة والشّهادة لها في علاقاتنا مع المسيحيّين وغير المسيحيّين. الكرازة بالإنجيل والبشارة به تتمّ بشهادة حياتنا، نلتقي مع الآخرين نشترك معهم في خدمة الإنسان، نبني علاقاتنا على أسس أخلاقيّة مشتركة لتكون حياتنا معًا أفضل. نصلّي لأجل كلّ العالم وخيره وخلاصه، لأنّ الله يشاء أنّ الكلّ يخلصون وإلى معرفة الحقّ يُقبِلون.
* * *
أيُّها الأحباء، هذا زمن الانفتاح على الآخَر والتَّمسُّك بالايمان. نحن لا نتعصَّب لإيماننا بل نتمسَّك به، وفي نفس الوقت نحن لا ننغلق على أنفسنا وندين الآخَر، ”مَنْ أَنْتَ الَّذِي تَدِينُ عَبْدَ غَيْرِكَ؟ هُوَ لِمَوْلاَهُ يَثْبُتُ أَوْ يَسْقُطُ. وَلكِنَّهُ سَيُثَبَّتُ، لأَنَّ اللهَ قَادِرٌ أَنْ يُثَبِّتَهُ“ (رو 14: 4)، بل ننفتح بالمحبّة الإلهيّة الّتي تريد أن يعرف كلّ إنسان خلاص الله الّذي بالمسيح يسوع. نحن نعلم أنّنا لا نخلص بقوّتنا وبرّنا، لأنّ برّ الإنسان ظلم أمام رحمة الله، فقط بنعمة المسيح الرَّبّ المنسكبة علينا بالرُّوح القدس من لدن الآب نخلص. واجبنا وشهادتنا ومحبّتنا للرَّبِّ تدفعنا لنشهد لحبّه لكلّ خليقته وأن ننقل لها نعمته من خلال عيشنا لوصيّته وطاعتنا لكلمته، ”مَنْ آمَنَ بِي، كَمَا قَالَ الْكِتَابُ، تَجْرِي مِنْ بَطْنِهِ أَنْهَارُ مَاءٍ حَيٍّ“ (يوحنا 7: 38).
ومن له أذنان للسَّمَع فليسمع…
+ أنطونيوس
مـتروبوليــت زحلة وبعلبك وتوابعهـما