نشرة كنيستي- الأحد (6) بعد الفصح (آباء المجمع المسكوني الأوَّل)- العدد 21
الأحد 24 أيَّار 2026
كلمة الرّاعي
التَّألُّه في المسيح وتعليم آباء المجمع المسكونيّ الأوَّل
في إنجيل هذا الأحد نسمع يسوع يرفع عينيه إلى السَّماء قائلًا: “يا أبتِ قد أتتْ السَّاعة. مَجِّد ابنك ليُمجّدَكَ ابنك أيضًا”… هذه الصَّلاة الكهنوتيَّة تكشف لنا سِرَّ الحياة الأبديَّة: أن نعرف الآب والابن في وَحدة الجوهر والمجد، وأن ندخل نحن، بنعمة الرُّوح القدس، في هذه الشَّرِكة الإلهيَّة الَّتي تمنحنا الخلاص.
لقد شدَّد آباء المجمع المسكونيّ الأوَّل المنعَقِد في نيقية عام 325 م. على هذه الحقيقة حين أعلنوا أنَّ الابن هو “مساوٍ للآب في الجوهر، مولودٍ غير مخلوق، إلهٍ حَقّ من إلهٍ حَقّ”. لم يكن هذا مجرَّد تعريف عقائديّ، بل إعلان للخلاص بهذا الإيمان، لأنَّ الَّذي يهبنا الحياة الأبديَّة لا يمكن أن يكون أقلّ من الله نفسه. فالقدِّيس أثناسيوس الكبير يقول: “الابن صار إنسانًا لكي نصير نحن أبناء الله.” أي أنَّ مساواة الابن للآب هي الضَّمانة أنَّ خلاصنا ليس وَهْمًا، بل مُشارَكة حقيقيَّة في حياة الله بواسطة اتِّحادنا بيسوع المسيح…
* * *
إنَّ إعلان الكنيسة في نيقية أنَّ الابن هو مساوٍ للآب في الجوهر هو قلب إيماننا، لأنَّه يفتح أمامنا سِرَّ الخلاص. ففي صلاة المسيح الكهنوتيَّة نسمع: “مَجِّدني أنت يا أبتِ عندك بالمجد الَّذي كان لي عندك من قبل كَوْن العالم“، وهذا يكشف أنَّ الابن ليس مخلوقًا بل هو كائنٌ مع الآب، وبالحقيقة هو مِن ذات جوهر الآب، يشترك معه في المجد الأزليّ. القدِّيس أثناسيوس الكبير، المدافع عن هذا الإيمان، يؤكِّد أنَّه “لو لم يكن الابن هو الله بالحقيقة، لما استطاع أن يؤلّهنا”. أي أنّ خلاصنا لا يمكن أن يتمّ إلَّا إذا كان المسيح هو الله نفسه، لأنَّ المخلوق لا يقدر أن يمنح الحياة الأبديَّة، فـ “باطلٌ هو خلاص الإنسان” (مز 60: 11)، و“الأَخُ لَنْ يَفْدِيَ الإِنْسَانَ فِدَاءً، وَلَا يُعْطِيَ اللهَ كَفَّارَةً عَنْهُ” (مز 49: 7).
أمَّا القدِّيس باسيليوس الكبير فقد شَبَّه علاقة الآب بالابن بالنُّور الخارج من النَّار: نورٍ من نور، دون أن ينقص الأصل أو ينفصل عنه. هذا التَّشبيه يُعلِّمنا أنَّ محبَّة الله لنا سرمديَّة، لأنَّ الابن الَّذي صار إنسانًا هو نفسه نور الآب الَّذي لا يزول. ويأتي القدِّيس غريغوريوس بالاماس ليؤكِّد أنَّ مُساواة الابن للآب تجعل الطَّاقات الإلهيَّة (Divine Energies) الَّتي يُفيضها علينا طاقاتٍ حقيقيَّة غير مخلوقة، تُدْخِلُنَا في سِرِّ التَّألُّه، أي أن نصير شركاء الطَّبيعة الإلهيَّة بالنِّعْمَة.
إذن، مساواة الابن للآب ليست فكرة نظريَّة، بل هي ضمانة خلاصنا. فهي تعني أنَّ المسيح يسوع الإنسان الَّذي مات وقام لأجلنا هو الله نفسه، القادر أنْ يرفَعَ الإنسان من الضُّعف والخطيئة إلى القُوَّة والبِرّ أي الغلبة الأبديَّة على الموت عبر اتِّحاده به. في حياتنا اليوميَّة، هذا الإيمان يُعطينا رجاءً لا يتزعزع، حينها عندما نُواجِه الألم أو الوِحدة، نتذكَّر أنَّ الَّذي معنا هو الله، وأنَّه يدعونا إلى الوَحدة معه ومع بعضنا البعض، كما صَلّى: “ليكونوا واحدًا كما نحن”، حتَّى بقِوَاه الَّتي فينا بنعمة الرُّوح القدس ننتصر على الحزن والخَوْف واليأس بشركتنا معه ومع بعضنا البعض فيه.
* * *
يا أحبَّة، في حياتنا اليوميَّة، هذا التَّعليم ليس فكرة لاهوتيَّة بعيدة، بل هو نورٌ يُضيء خطواتِنا. عندما نُواجه ضعفنا أو خطايانا، نتذكَّر أنَّ المسيحَ الَّذي يرفعنا هو الله نفسه، القادر أنْ يُبَدِّلَ الموت إلى حياة واليأس إلى رجاء. وعندما نشعر بالوِحدة أو الانقسام، نسمع صوته يُصَلِّي لأجلنا: “ليكونوا واحدًا كما نحن”. فإيماننا بالابن المساوي للآب في الجوهر والألوهة يُعلِّمنا أنَّ الوَحدة ليست خيارًا بشريًّا فقط، بل هي انعكاس لشركة الثَّالوث في حياتنا، شركة الوَحدة في التَّمايُز… وهي دعوة الله لنا لنُحَقِّق إنسانيَّتنا فيه…
فلنَحيا إذًا هذا الإيمان الجوهريّ في بيوتنا وعلاقاتنا، فنطلب أنْ يكونَ فرح المسيح كاملًا فينا، وأنْ نثبت في الكلمة الَّتي حَفظها الآباء، كلمة الحياة الأبديَّة. وهكذا يصبح تعليم المجمع المسكونيّ الأوَّل ليس ذكرى تاريخيَّة، بل دعوة يوميَّة لنعيش أبناءً لله، شركاء في مجده، شهودًا لفرحه في العالم.
ومن استطاع أن يقبل فليقبل…
+ أنطونيوس
متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما