Menu Close

نشرة كنيستي- الأحد (5) بعد العنصرة- العدد 27

الأحد 05 تمُّوز  2026

كلمة الرّاعي 

القدِّيس الشَّهيد في الكهنة يوسف الدِّمشقيّ

شاهدُ المحبَّة حتَّى الدَّم ورجاءُ المؤمنين الثَّابتين

نُعيِّد في العاشر من تمُّوز من كلِّ سنة للقدِّيس الشَّهيد في الكهنة يوسف الدِّمشقيّ ورفقتِه الشُّهداء. وإذْ نتأمَّل في سيرته نكتشف أنَّه لم يكن مجرَّد كاهنٍ غيور، بل كان أيقونةً حيَّةً للمسيح الرَّاعي الصَّالح الَّذي قال عن نفسه: «الرَّاعي الصَّالح يبذل نفسه عن الخراف» (يوحنَّا 10: 11). فقد بذل ذاته في خدمة شعبه بالكلمة والتَّعليم والقلم، ثمَّ بالدَّم، حتَّى غدت سيرتُه إنجيلًا مقروءًا في زماننا، لا صفحةً من ماضٍ بعيد…

لقد كان القدِّيس يوسف رجلَ نهضةٍ في كنيسته بكلِّ معنى الكلمة. نشأ فقيرًا يكدح نهارًا ويطلب العلم ليلًا، حتَّى صار من أعلام عصره، ورُسم كاهنًا وهو في الرَّابعة والعشرين، فخدم في الكنيسة المريميَّة بدمشق. تسلَّم إدارة المدرسة البطريركيَّة فطوَّرها ووسَّعها، وفتح فيها فرعًا عاليًا للعلوم اللَّاهوتيَّة، فتخرَّج على يديه جيلٌ من الرُّعاة كان منهم بطريركٌ ومطارنة. وكان واعظًا يُلهب القلوب، ومعلِّمًا يبني العقول، ومصلحًا نقَّى عاداتِ النَّاس ممَّا شابها، وكاتبًا مدقِّقًا ضبَط الكتب الطَّقسيَّة ونقل إلى العربيَّة كنوزَ التَّعليم المسيحيّ. اهتمَّ ببناء النُّفوس كما اهتمَّ ببناء الحجر، فحقَّق فيه قولَ الرَّبّ: «فليُضئْ نوركم قدَّام النَّاس» (متّى 5: 16).

*             *             *

ولم يكن قدِّيسُنا عالمًا منقطعًا في صومعته، بل راعيًا في قلب شعبه. كان يردِّد أنَّه يزرع في كرمة المسيح منتظرًا الحصاد، عالمًا أنَّ الرَّبَّ هو الكرمة الحقيقيَّة «وأنتم الأغصان» (يوحنَّا 15: 5). حتَّى قيل إنَّ لدمشق ثلاثة كواكب: بولس الرَّسول، ويوحنَّا الدِّمشقيّ، ويوسف مهنَّا الحدَّاد. فما أشبهَ غيرتَه على استقامة الإيمان بغيرة إيليَّا النَّبيّ القائل: «قد غِرْتُ غيرةً لربِّ الجنود» (1ملوك 19: 14)!

وبلغت محبَّتُه ذروتَها في ساعة الشَّهادة. ففي تمّوز عام 1860 عصفت بدمشق فتنةٌ دمويَّة، ولجأ المؤمنون إلى كنائسهم، وكان الخوري يوسف يحتفظ بالذَّخيرة المقدَّسة في بيته، فحملها في صدره وعبَر فوق سطوح البيوت إلى المريميَّة، يناول المؤمنين جسدَ الرَّبّ ودمَه، ويشدِّد الخائفين، ويهيِّئ النُّفوس للقاء ربِّها. وحين انقضَّ الرعاع على أحياء المدينة خرج إلى الأزقَّة فعُرف، فتناول الذَّخيرة الإلهيَّة الَّتي كان يحملها، ثمَّ سقط تحت الفؤوس شهيدًا مع آلافٍ من إخوته المؤمنين. هكذا حقَّق قولَ سيِّده: «ليس لأحدٍ حبٌّ أعظم من هذا: أن يبذل نفسه عن أحبَّائه» (يوحنَّا 15: 13)، وصار «أمينًا حتَّى الموت» فنال «إكليل الحياة» (رؤيا 2: 10). وكما لا تُثمر حبَّةُ الحنطة إن لم تقع في الأرض وتمُت (را. يوحنَّا 12: 24)، أثمر دمُه في كنيسة أنطاكية إيمانًا وثباتًا.

*             *             *

يا أحِبَّة، ماذا يقول لنا هذا القدِّيس اليوم؟

إلى الإكليروس يقول: إنَّ الكهنوت خدمةٌ لا سلطان، وبذلٌ لا استراحة؛ وإنَّ الكاهن الحقّ يحمل المسيح إلى شعبه في زمن الرَّخاء كما في زمن الخطر، ولا يترك رعيَّته في ساعة الضِّيق، فيكون عِلمُه في خدمة إيمانه، ومنبرُه في خدمة خلاص النُّفوس، وحياتُه كلُّها «ذبيحةً حيَّةً» (رومية 12: 1).

وإلى المؤمنين يقول: إنَّ الإيمان ليس كلامًا يُقال، بل حياةً تُعاش وتُبذَل. فما رافق القدِّيسَ يوسف من ثباتٍ ومحبَّةٍ وصبرٍ ووداعةٍ وتواضع، هو نفسُه ما يطلبه الرَّبّ منَّا اليوم، كلٌّ في موقعه ودعوته.

*             *             *

يا أحِبَّة، إنَّنا إذْ نتأمَّل سيرتَه ونحن في زمنٍ عسير، تعصف بمنطقتنا ووطننا رياحُ الخوف والضِّيق والهجرة، حتَّى يسأل كثيرون: إلى متى الصَّبر؟ وهل يبقى لنا في هذه الأرض موضع؟ نقول لكم بثقةٍ مع الرَّسول: «لا تحزنوا كباقي الّناس الَّذين لا رجاء لهم» (1تسالونيكي 4: 13). إنَّ الدِّماء الَّتي رُويت بها أرضُ المشرق ليست عبثًا، بل بذارٌ يُثمر في حينه؛ وقديمًا قال الآباء إنَّ دم الشُّهداء بذارُ الكنيسة. والقدِّيس يوسف لم يهرب من مدينته، بل بقي فيها حتَّى النِّهاية، لأنَّ الأرض الَّتي قدَّسها الشُّهداء أمانةٌ في أعناقنا. فلنتجذَّرْ في أرضنا كما تجذَّر، ولنبنِ رجاءنا لا على تقلُّب الأحوال بل على قوَّة القيامة، واثقين بكلمة الرَّبّ: «ثِقوا، أنا قد غلبتُ العالم» (يوحنَّا 16: 33).

وإذْ نُعيِّد للقدِّيس يوسف الدِّمشقيّ اليوم فنحن لا نتعاطى عيده كذكرى تاريخيَّة، بل دعوةً لنا اليوم والآن أن نثبت في إيماننا، ونحبَّ كنيستنا وأرضنا، ونشهد للمسيح بحياتنا. فلتكن شفاعتُه وشفاعةُ رفقتِه الشُّهداء سندًا لنا جميعًا في تجاربنا، وعزاءً في أحزاننا، وقوَّةً في ثباتنا، إلى أن يطلع فجرُ الفرح على بلادنا.

ومن له أذنان للسَّمع فليسمع…

+ أنطونيوس

متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما

مواضيع ذات صلة