نشرة كنيستي
نشرة أسبوعية تصدر عن أبرشية زحلة وبعلبك وتوابعهما للروم الأرثوذكس. أعاد إطلاقها الميتروبوليت أنطونيوس في فصح ٢٠١٧.
أُنقُر على الملف لتصفُّح نشرة كنيستي
كما يمكن قراءة النص الكامل في المقطع أدناه.
الأحد (14) بعد العنصرة
العدد 36
الأحد 06 أيلول 2026
اللَّحن 5- الإيوثينا 3
أعياد الأسبوع: *6: تذكار أعجوبة رئيس الملائكة ميخائيل في كولوسِّي *7: تقدمة ميلاد السَّيِّدة، الشَّهيد صوزن، البارَّة كاسياني (كاتبة التَّسابيح) *8: ميلاد سيِّدتنا والدة الإله الفائقة القداسة *9: تذكار جامع للقدِّيسَيْن الصِّدِّيقَيْن يواكيم وحنَّة جَدَّيْ المسيح الإله، الشَّهيد سفريانوس *10: الشَّهيدات مينوذورة وميتروذورة ونيمفوذورة *11: البارَّة ثيوذورة الإسكندريَّة، القدِّيس آفروسينوس الطَّبَّاخ *12: وداع عيد ميلاد السَّيِّدة، الشَّهيد في الكهنة أفطونومس.
كلمة الرّاعي
الأسقف والمحبَّة والحزم والتَّأديب
"فَإِنِّي مِنْ شِدَّةِ كَآبَةٍ وَكَرْبِ قَلْبٍ كَتَبْتُ إِلَيْكُمْ بِدُمُوعٍ كَثِيرَةٍ لا لِتَغْتَمُّوا، بَلْ لِتَعْرِفُوا مَا عِنْدِي مِنَ المحبَّة بِالأَكْثَرِ لَكُمْ" (2 كو 2: 4)
المحبَّة ليست غريبة عن التَّأديب، وليس التَّأديب مِن عدم المحبَّة، ولا هذه ولا تلك منفصلتان عن الحزم في الحَقّ...
يخلط النَّاس بين المحبَّة والعاطفة، فالمحبَّة ليست عاطفة ولا العاطفة محبَّة. المحبَّة التزامٌ بالآخَر، في الحَقِّ، حتَّى المُنتهى. من خلط بين الاثنين رفض الحزم والتَّأديب، ولبث في أنانِيَّته. لا يتحرَّر الإنسان من الأنانيَّة بالعاطفة والمشاعر بل بالمحبَّة، ولا محبَّة من دون حزمٍ وتأديب... لأنَّ العاطفة سريعة التَّقلُّب والتَّغيُّر ولا تنبع بالضَّرورة من محبَّةٍ نقيَّةٍ إلهيَّة في الإنسان، بل هي بكلِّ تأكيدٍ وَليدَة الأهواء إنْ لم تكن ثمرة التَّواضع والتَّضحية وبَذْل الذَّات لأجل الآخَر. محبَّة عاطفيَّة هي أهوائيَّة، محبَّة مُضحِّيَة ومتواضعة هي ثمرة الرُّوح القُدس. المحبَّة الإلهيَّة تولِّد عاطفة طاهرة وثابتة غير متحوِّلة أو متقلِّبة، لأنَّها لا تأتي مِن جوابٍ بل مِن مُبادَرة، إذْ تَتَشبَّه بالَّذي "أحبَّنا أوَّلًا" (1 يو 4: 19) ...
وهذه المحبَّة المبادِرة هي النَّموذج الَّذي يُدعى كلّ راعٍ إلى أن يتشبَّه به. فالأسقف أو الكاهن، بحكم رسالته الرِّعائيَّة وأمانته للإيمان المسلَّم، مدعوٌّ إلى جمع ما يبدو للنَّاس مُتناقضًا: أنْ يُحبَّ دون أنْ يتساهل، وأنْ يحزم دون أن يقسو، وأن يؤدِّب دون أن يَكسُر — لأنَّ الرَّاعي الحقيقيّ لا يَختار بين المحبَّة والحزم، بل يعيشهما معًا في وَحدة لا تنفصِم، شأنه في ذلك شأن بولس الَّذي كتب بدموعٍ لا ليُحزِن بل ليُحبَّ.
* * *
لعلَّ نموذج بولس الرَّسُول في رسالته الثَّانية إلى كورنثوس هو الأصْدَق تعبيرًا عن هذه الوحدة بين المحبَّة والحزم والتَّأديب، فهو يوضح لهم أنَّه كَتَبَ إليهم "بدموع" لتأديبهم ولرَدِّهم إلى صَوابهم في الإيمان حبًّا بهم.
أمانة الرَّسُول لرسالته الَّتي استلمها من المسيح شخصيًّا، ورصانة بولس واستقامته في حفظ البشارة ونقلها نقيَّة من كلِّ شِبْهِ زَيْغ عن حقِّ الرَّبّ دفعاه إلى أن يؤدِّب الجماعة لأنَّه مسؤولٌ أمام الله عنها وهي غمّه حين تبتعد عن الحَقِّ وهي فرحه حين تثبُت في ما سُلِّم إليها.
للرَّسُول سلطة في المسؤوليَّة الَّتي تولَّاها من الله، وفي المسؤوليَّة سلطة للحفاظ على نقاوة الإيمان واستقامة الأفراد والجماعة في المسيح، وهذا دور الرَّسُول أي الكِرازة بـ "الإيمان المسلَّم مرَّةً للقدِّيسين" والحفاظ على نقاوة هذا الإيمان من أيِّ ابتداعٍ أو تشويهٍ في التَّعليم أو في الحياة... وهذا هو دور الأسقف في الكنيسة الَّذي واجبه أن "يقطع باستقامَةٍ كلِمَةَ الحَقّ"...
* * *
يا أحبَّة، كنيستنا رسوليَّة أي هي مبنيَّة على أساس الرُّسُل وكرازتهم وشهادتهم للرَّبّ، وهي بشاريَّة أيضًا أي دورها أن تنقل البُشرى السارَّة (الإنجيل) إلى العالم لأجل خلاصه... الكنيسة شاهدة لإيمانها بحياتها مِن خِلال أبنائها، إكليروس وعلمانيِّين... لكن لا تستقيم الحياة في الكنيسة بدون البُعد الرَّسُوليّ الَّذي فيها، والَّذي يحمله الأساقفة بالنِّعْمَة في تسلسلِ وضع الأيدي مِن أيَّام الرُّسُل إلى يومنا هذا، وهذا ما يُعطي لدور الأسقف في الكنيسة موقعًا جوهريًّا في حفظ الإيمان وعَيْشِهِ، وهذا ما يمنحه بأبوَّتِه أن يمتحن الأرواح وأن يؤدِّب بحزمٍ وأن يحزم بمحبَّة لتقويم كلّ اعوجاجٍ ولإصلاح كلّ خلَلٍ في حياة جماعات الخراف النَّاطقة وخدَّامها. فالأسقف حين يؤدِّب لا يُجيب على استحقاق المذنب، بل يبادر بمحبَّةٍ لا تنتظر الاستحقاق — تمامًا كما أحبَّنا الله ونحن بعدُ خطأة. وهذا هو الفارِقُ الجوهريّ بين التَّأديب الأبَويّ والعقوبة القضائيَّة: العقوبة تأتي بعد الذَّنب جوابًا عليه، أمّا التَّأديب الأبَوِيّ فيسبق سقوط المذنب في هاوية اليأس، ويلتقطه قبل أن يبلغ القاع، لأنَّ المحبَّة الحقيقيَّة لا تنتظِر أن يستحِقَّ الآخَر العناية بل تُبادِر إليه في ضعفه ووهنه وانكساره.
* * *
أيُّها الأحبَّاء، إنَّ السُّلطة الرَّسُوليَّة الَّتي يحملها الأسقف لا تبلغ غايتها إلَّا حين تتحوَّل من سلطةٍ على الآخَر إلى مسؤوليَّة عن الآخَر — وهنا يكمُن الفارق الجوهريّ بين التَّأديب الأبويّ الَّذي يُحيي، والعقوبة القضائيَّة الَّتي تُقرِّر .ولهذا كتب بولس بدموعٍ لا بغضب. الدُّموع ليست ضعفًا بل هي دليل المبادرة: مَن لا يُبادِر بالمحبَّة لا يدمع، لأنَّ دموعه هي ثمن اهتمامه بِمَن أساء. الغاضب يُعاقِب لأنَّه أُهين، أمَّا المحِبّ فيؤدِّب لأنَّه يرى في المذنب ما لا يراه المذنب في نفسه: إمكانيَّة العودة، وقدرة النُّهوض، وبذرة الخير الَّتي لم تَمُتْ بعد — تلك القصبة المرضوضة الَّتي لم تُكسر، والفتيل الخامد الَّذي لم يُطفأ (راجع إش 42: 3). وهنا يتجلَّى البُعد الأعمق في دور الأسقف: ليس هو من يُصدِر حُكمًا على الخاطئ، بل هو من يحمل الخاطئ في قلبه قبل أن يواجهه بلسانه. فإنْ لم يكن التَّأديب مسبوقًا بهذا الحمل في القلب، صار قسوةً تُلبس ثوب الحَقّ، وسلطةً تختبئ خلف الحرص على الإيمان. أمَّا حين ينبع التَّأديب من هذه المحبَّة المبادِرة، يشعر المؤدَّب — حتَّى في ألم التَّأديب — بأنَّه محبوبٌ لا مُدان، ومطلوب لا مَرفوض، وهذا الشُّعور وحده هو الَّذي يفتح قلبه للتَّوبة ويجعل التَّأديب ثمرًا لا جرحًا. لأنَّ الله ذاته، حين أدَّبَ شعبه عبر الأنبياء، لم يفعل ذلك لأنَّ شعبه استحقَّ العِناية، بل لأنَّه أحَبَّه أوّلًا — قبل الاستِحقاق وفوقه وبعده. وهذا هو نموذج كلّ أسقفٍ حقيقيّ: أن يكون في تأديبه صدًى لمحبَّةِ الله المبادِرَة، لا مرآةً لاستحقاقات البشر المتبدِّلة.
فمن جهةٍ أولى، مَن هو الحكيم المتواضع الَّذي يقبل التَّأديب في المحبَّة والمحبَّة في الحَزم ليتمجَّد الله فيه؟!... ومن جهةٍ ثانية، مَن هو الرَّاعي القادر على التَّأديب بدموعٍ لا بغضب، وبحزمٍ لا بقسوة، وبمحبَّةٍ لا بسلطة؟!...
ومن له أذنان للسَّمع فليسمع...
+ أنطونيوس
متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما
طروباريَّة القيامة (باللَّحن الخامس)
لِنُسَبِّحْ نحنُ المـُؤمنينَ ونسجُدْ للكلمة. المـُساوي للآبِ والرُّوحِ في الأزَليّةِ وعدمِ الابتداء. المـَوْلودِ مَنَ العذراء لِخلاصِنا. لأنّه سُرَّ بالجَسَدِ أن يَعلُوَ على الصَّليب. ويحتمِلَ المـَوْت. ويُنهِضَ المـَوْتى بقيامتِهِ المـَجيدة.
طروباريَّة رئيس الملائكة ميخائيل (باللَّحن الرَّابع)
يا زعيم الأجناد السَّماويِّين، نتوسّلُ إليك دائمًا نحن غير المستحقِّين، حتَّى إنَّك بطلباتك تكتنفنا بظلِّ جناحَيْ مجدِكَ اللَّاهيولي، حافظًا إيَّانا نحن الجاثين والصَّارخين بغير فتور، أنقذنا من الشَّدائد، بما أنَّك رئيسُ مراتب القوّاتِ العِلوِيَّة.
قنداق ميلاد السَّيِّدَة (باللَّحن الرَّابِع)
إنَّ يُواكِيمَ وحنَّةَ من عارِ ﭐلعُقْر أُطلِقا، وآدمَ وحوَّاءَ من فسادِ ﭐلموتِ، بمولِدِكِ ﭐلمُقَدَّس يا طاهِرَة، أُعتِقا. فلَهُ يُعَيِّدُ شعبُكِ إذ قد تَخلَّصَ من وَصْمَةِ الزَّلَّات. صارِخًا نحوكِ، العاقِرُ تَلِدُ والدةَ ﭐلإله ﭐلمُغَذِّيَة حياتَنَا.
الرِّسالة (2 كو 1: 21- 24، 2: 1- 4)
أَنْتَ يَا رَبُّ تَحْفَظُنَا وَتَسْتُرُنَا مِنْ هَذَا الجِيلِ.
خَلِّصْنِي يَا رَبُّ فَإِنَّ البَارَّ قَدْ فَنِيَ.
يَا إِخْوَةُ، إِنَّ الَّذي يُثَبِّتُنَا مَعَكُمْ فِي الـمَسِيحِ، وَقَدْ مَسَحَنَا، هُوَ اللهُ الَّذي خَتَمَنَا أَيْضًا، وَأَعْطَى عُرْبُونَ الرُّوحِ فِي قُلُوبِنَا. وَإِنِّي أَسْتَشْهِدُ اللهَ عَلَى نَفْسِي أَنِّي لِإِشْفَاقِي عَلَيْكُمْ لَـمْ آتِ أَيْضًا إِلَى كُورِنْثُوسَ، لا لِأَنَّنَا نَسُودُ عَلَى إِيمَانِكُمْ، بَلْ نَحْنُ أَعْوَانُ سُرُورِكُمْ لِأَنَّكُمْ ثَابِتُونَ عَلَى الإِيمَانِ. وَقَدْ جَزَمْتُ بِهَذَا فِي نَفْسِي أَنْ لا آتِيَكُمْ أَيْضًا فِي غَمٍّ لِأَنِّي إِنْ كُنْتُ أُغِمُّكُمْ فَمَنِ الَّذي يَسُرُّنِي غَيْرُ مَنْ أُسَبِّبُ لَهُ الغَمَّ؟ وَإِنَّمَا كَتَبْتُ إِلَيْكُمْ هَذَا بِعَيْنِهِ لِئَلَّا يَنَالَنِي عِنْدَ قُدُومِي غَمٌّ مِـمَّنْ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ أَفْرَحَ بِهِمْ. وَإِنِّي لَوَاثِقٌ بِجَمِيعِكُمْ أَنَّ فَرَحِي هُوَ فَرَحُ جَمِيعِكُمْ. فَإِنِّي مِنْ شِدَّةِ كَآبَةٍ وَكَرْبِ قَلْبٍ كَتَبْتُ إِلَيْكُمْ بِدُمُوعٍ كَثِيرَةٍ لا لِتَغْتَمُّوا، بَلْ لِتَعْرِفُوا مَا عِنْدِي مِنَ المحبَّة بِالأَكْثَرِ لَكُمْ.
الإنجيل (مت 22: 2- 14)(متَّى 14)
قَالَ الرَّبُّ هَذَا الـمَثَلَ: يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ إِنْسَانًا مَلِكًا صَنَعَ عُرْسًا لِابْنِهِ. فَأَرْسَلَ عِبِيدَهُ لِيَدْعُوا الـمَدْعُوِّينَ إِلَى العُرْسِ، فَلَمْ يُرِيدُوا أَنْ يَأْتُوا. فَأَرْسَلَ أَيْضًا عَبِيدًا آخَرِينَ، وَقَالَ: قُولُوا لِلْمَدْعُوِّينَ هُوَذَا غَدَائِي قَدْ أَعْدَدْتُهُ. ثِيرَانِي وَمُسَمَّنَاتِي قَدْ ذُبِحَتْ وَكُلُّ شَيْءٍ مُهَيَّأٌ، فَهَلُمُّوا إِلَى العُرْسِ. وَلَكِنَّهُمْ تَهَاوَنُوا، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى حَقْلِهِ، وَبَعْضُهُمْ إِلَى تِجَارَتِهِ، وَالبَاقُونَ قَبَضُوا عَلَى عَبِيدِهِ وَشَتَمُوهُمْ وَقَتَلُوهُمْ. فَلَمَّا سَمِعَ الـمَلِكُ غَضِبَ وَأَرْسَلَ جُنُودَهُ، فَأَهْلَكَ أُولَئِكَ القَتَلَةَ وَأَحْرَقَ مَدِينَتَهُمْ. حِينَئِذٍ قَالَ لِعَبِيدِهِ: أَمَّا العُرْسُ فَمُعَدٌّ، وَأَمَّا الـمَدْعُوُّونَ فَلَمْ يَكُونُوا مُسْتَحِقِّينَ. فَاذْهَبُوا إِلَى مَفَارِقِ الطُّرُقِ، وَكُلُّ مَنْ وَجَدْتُـمُوهُ، فَادْعُوهُ إِلَى العُرْسِ. فَخَرَجَ أُولَئِكَ العَبِيدُ إِلَى الطُّرُقِ فَجَمَعُوا كُلَّ مَنْ وَجَدُوا مِنْ أَشْرَارٍ وَصَالِحِينَ. فَحَفَلَ العُرْسُ بِالـمُتَّكِئِينَ. فَلَمَّا دَخَلَ الـمَلِكُ لِيَنْظُرَ الـمُتَّكِئِينَ رَأَى هُنَاكَ إِنْسَانًا لَـمْ يَكُنْ لابِسًا لِبَاسَ العُرْسِ، فَقَالَ لَهُ: يَا صَاحِ، كَيْفَ دَخَلْتَ إِلَى هَهُنَا وَلَيْسَ عَلَيْكَ لِبَاسُ العُرْسِ؟ فَصَمَتَ. حِينَئِذٍ قَالَ الـمَلِكُ لِلْخُدَّامِ: أَوْثِقُوا يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، وَخُذُوهُ، وَاطْرَحُوهُ فِي الظُّلْمَةِ البَرَّانِيَّةِ. هُنَاكَ يَكُونُ البُكَاءُ وَصَرِيفُ الأَسْنَانِ. لِأَنَّ الـمَدْعُوِّينَ كَثِيرُونَ، وَالـمُخْتَارِينَ قَلِيلُونَ.
حول الإنجيل
أخطر ما في رفضنا لله ليس أن نقول له: «لا»، بل أن نسمع صوته ونظَلّ كما نحن، أو نفكِّر في أنفسنا قائلين: «سوف نُلَبِّي الدَّعوة ولكن لاحِقًا!» فكَم مِن إنسانٍ دخل قاعة العرس، لكنَّه لم يلبس ثوب العرس؛ وكم من إنسانٍ نالَ «عُربون الرُّوح»، مِن دون أن يسمح للرُّوح أن يغيِّر قلبه. لذلك تضع الكنيسة أمامنا اليوم سؤالًا يَمَسُّ جوهر الخلاص: هل قَبِلْنا الدَّعوة فقط، أم صِرنا بالحياة لائِقين بالعُرس؟
يقول بولس الرَّسُول: «الَّذي يثبّتنا معكم في المسيح... وأعطانا عربون الرُّوح في قلوبنا» (٢ كو ١:٢١-٢٢). فالمُبادَرة كلّها من الله: هو يثبِّت، ويمسَح، ويختُم، ويَهَب الرُّوح عُربونًا للمجد الآتي. وكما يشرح القدِّيس يوحنَّا الذَّهبيّ الفَم، فإنَّ مَن أعطانا «البداية والجذر والينبوع» سيقود العَطِيَّةَ إلى كمالها.
لكنَّ النِّعْمَة، مع كونها عَطِيَّة الله المجَّانيَّة، تطلب من الإنسان أن يتجاوب معها بحُرِيَّة، فتتحوَّل العَطِيَّة في حياته إلى إيمانٍ حَيّ ومحبَّة وتوبة. فالمدعوُّون «لم يُبالُوا»، وانصرفوا إلى حقولهم وتجارتهم. لم يكن الحقل أو التِّجارة شرًّا، بل صار المؤقَّت أهمّ مِن الأبَديّ، والعَطِيَّة أقلّ قيمة من الانشغال بها.
ثمَّ يظهر رجلٌ بلا ثوبِ العرس. وهنا يصرخ الذَّهبيّ الفَم: لا يكفي أنْ نكون في الوليمة؛ علينا أن نكسو النَّفْسَ بثوبٍ يَليق بالعرس، أي بحياةٍ نَقِيَّة تُزَيِّن الدَّاخل لا الخارج.
أمَّا المغبوط أغسطينوس فيبلغ إلى قلب المعنى: ثوب العُرس هو المحبَّة النَّابعة مِن قَلْبٍ نقيٍّ وضميرٍ صالِحٍ وإيمانٍ صادق. فالإيمان الَّذي لا يصير محبَّة يَظَلُّ ناقصًا؛ والمحبَّة هي الثَّوْب الَّذي يَليقُ باتِّحاد العريس، المسيح، بعروسه، الكنيسة.
وهكذا يلتقي إنجيل اليوم برسالة اليوم: الرُّوح هو العربون، والنِّعْمَة تُهَيِّئ الثَّوْب، والإيمان العامل بالمحبَّة هو ظهوره في حياتنا.
لقد أُعِدَّ العُرس، والدَّعوة وُجِّهَتْ إلينا. لذلك ليس السُّؤال: «هل أنا مَدعوٌّ؟» بل: هل تغيّرتُ لأنَّني دُعِيْتُ؟ وهل إذا دخل الملك، يجد فِيَّ ثوب المسيح؟
من هم رؤساء الملائكة؟؟!!
حين ترفع الكنيسة عينيها إلى السَّماء، لا ترى عالمًا بعيدًا عن الإنسان، بل ترى خليقة الله غير المنظورة، عالمًا من النُّور والتَّسبيح والخدمة، حيث تقف الملائكة أمام عرش الله، لا لكي تُعبد فقط، بل لكي تمجِّد الخالق وتخدم مشيئته من أجل خلاص الإنسان. فالملائكة، كما يقول الرَّسُول بولس، هم «أرواحٌ خادمة مُرْسَلَة للخدمة لأجل العتيدين أنْ يرثوا الخلاص» (عبرانيّين 1: 14)، ولذلك فإنَّ حضورهم في إيمان الكنيسة ليس تفصيلًا غريبًا أو صورة من صور الخيال الدِّينيّ، بل هو تذكيرٌ بأنَّ الخليقة أوسع من الَّذي تراه أعيننا، وأنَّ السَّماء والأرض تلتقيان في سِرِّ محبَّة الله.
الكتاب المقدَّس يذكر بالإسم بصورةٍ واضحة ميخائيل وجبرائيل، بينما وصلت إلينا بَقيَّة الأسماء في التَّقليد والكتابات الكنسيَّة والتَّقويميَّة. والأهمّ مِن تَعداد الأسماء هو أنْ نفهم الرِّسالة الرُّوحيَّة الَّتي تحملها لنا هذه الشَّخصيَّات السَّماويَّة: إنَّهم خدَّام الله، وجنود النُّور، ورسُل البشارة، وشهود على أنَّ الله يعمل في الخليقة ولا يترك الإنسان وحيدًا في طريقه.
ولعلَّ أجمل ما نتعلَّمه من الملائكة هو أنَّهم لا يعيشون لأنفسهم. هم خدَّام. وهذه الكلمة الَّتي تبدو بسيطة أصبحت ثقيلة في عالم يُريد فيه الجميع أنْ يكونوا رؤساء، وقليلون يريدون أن يكونوا خدَّامًا. الجميع يريد أن يجلس في المقدِّمة، وقليلون يُريدون أن يحملوا أثقال الآخرين. الجميع يريد أن يُسمع صوته، وقليلون يريدون أن يصغوا إلى المتألِّم. الجميع يريد أن يُكرَّم، وقليلون يريدون أن يخدموا بصمت. لكنَّ المسيح قال بوُضوح: «مَن أراد أن يكون فيكم أوَّلًا فليكن للجميع عبدًا» (مرقس 10: 44). فالسَّماء تعلِّمنا درسًا تنساه الأرض: العظمة ليست في أن يخدمك النَّاس، بل في أن تخدمهم.
حين تذكر الكنيسة رؤساء الملائكة، فهي لا تدعونا إلى الهروب من الأرض، بل إلى أن نعيش على الأرض بقلبٍ سماويّ. لا تجعلوا المال إلهكم، ولا السُّلطة إلهكم، ولا الشُّهرة إلهكم، ولا رأي النَّاس إلهكم، ولا الخلافات الصَّغيرة تسرق منكم سلام المسيح. ارفعوا أعينكم إلى السَّماء وتذكَّروا أنَّ الإنسان ليس مخلوقًا لكي يعيش للتُّراب فقط. نحن مدعوُّون إلى القداسة، إلى النُّور، إلى الصَّلاة، إلى الخدمة، إلى المحبَّة، وإلى أنْ تكون حياتنا تسبيحًا لله.
الكنيسة، حين تكرِّم الملائكة، لا تعبدهم، لأنَّ العِبادة لله وحده، بل تكرِّمهم كخدَّامه، وتطلب شفاعتهم وصلواتهم، وتتعلَّم مِن أمانتهم أن يكون الإنسان أمينًا لله. هم لا يأخذوننا بعيدًا عن المسيح، بل يُشيرون إليه؛ لا يطلبون المجد لأنفسهم، بل يمجِّدُون الله؛ ولا يدعوننا إلى الخوف، بل يذكِّرونَنا أنَّ نورَ الله أقوى من ظلمة العالم.
السَّماء ليست مجرَّد مكان نرجوه في نهاية حياتنا، بل هي حياةٌ تبدأ في القلب منذ الآن، عندما يسكن الله فينا، وعندما نتعلَّم أنْ نُحِبَّ كما أحَبَّ المسيح، ونغفر كما غفر، ونخدم كما خدم، ونقول مع الملائكة: «قدُّوس، قدُّوس، قدُّوس، ربُّ الصَّباؤوت، السَّماء والأرض مملوءتان من مجدك».
العذراء مريم والدة الإله
هي ابنة يواكيم وحنّة مِن الناصرة من سبط يهوذا. يخبرنا عن طفولتها إنجيل يعقوب التمهيدي المنحول، وقد استشهد به قدّيسون في الكنيسة. دخلت مريم الهيكل في الثالثة من عمرها وقد كرّسها والداها للربّ، فكانت تقتات من يد الملائكة. ولمّا بلغت مريم الاثنتي عشرة مِن عمرها، تشاور الكهنة لكي يودعوها عند من يحفظها، لأنه لا يجوز لهم أن يبقوها في الهيكل بعد هذه السنّ. فصلّى رئيس الكهنة لكي يُلهمَه الربّ ما العمل. حينئذٍ ظهر له ملاك وطلب منه أن يجمع الأرامل من الرجال الأتقياء (الشيوخ) ليودعوها عند أحدهم. فوقع الاختيار على يوسف النجار ليحفظ مريم.
العذراء مريم هي والدة الإله Theotokos Θεοτόκος والكليّة القداسة Panaghia Παναγία والفائقة القداسة Υπεραγία، وقد ثبّت المجمع المسكوني الثالث لقب والدة الإله، (٤٣١م). وهذا أصلًا واضح في إنجيل لوقا إذ دعتها أليصابات “أمُّ ربّي”.ἡ μήτηρ τοῦ Κυρίου μου ἡ μήτηρ τοῦ Κυρίου μου. يطالعنا إنجيل لوقا بحدث البشارة، حيث دعا الله مريم بواسطة الملاك بالممتلئة نعمةً ومباركةُ في النساء قائلاً أنّ روح الله قد حلّ عليها. ولكن هذا لا يجعل منها بتاتًا موضوع عبادة بل تكريم، فالعبادة هي للربّ يسوع المسيح ابن الله.
بالإضافة إلى بشارتها مريم العذراء، نجد أحداثًا إنجيليّة تسلّط الضوء على أهميّة العذراء مريم:
- الأحداث التي تدور حول ميلاد المسيح.
- زيارتها لأليصابات التي قالت: "فَمِنْ أَيْنَ لِي هذَا أَنْ تَأْتِيَ أُمُّ رَبِّي إِلَيَّ؟" (لو ١: ٤٣)
- تقدمة يسوع إلى الهيكل.
- عندما أضاع يوسف ومريم يسوع في السفر أثناء عودتهما إلى أورشليم فوجداه في الهيكل بين العلماء.
- عرس قانا الجليل وتبليغها للسيّد عن نفاد الخمر وقولها للخدم: "افعلوا كلّ ما يطلبه منكم".
- وقوفها عند الصليب.
- وجودها مع حاملات الطيب.
- كما نراها في إيقونة الصعود الإلهيّ وبعض إيقونات العنصرة مِن القرن السادس الميلادي.