نشرة كنيستي- الأحد (6) بعد العنصرة- العدد 28
الأحد 12 تمُّوز 2026
كلمة الرّاعي
القدِّيسان نقولا وحبيب خِشِّة الدِّمشقيَّان
شهيدان مِنْ لَحْمنا ودمنا
يطلُّ علينا بعد ستَّة أيَّام عيد القدِّيسَيْن الشَّهيدَيْن في الكهنة، نقولا وحبيب خِشِّة. وفي كلّ مرّةٍ تُعلن كنيستُنا قداسةَ واحدٍ من أبنائها، تفتح لنا كُوَّةً نُطلُّ منها على السَّماء، فنكتشف أنَّ القداسة ليست حكايةً من زمنٍ سَحيق، ولا حِكرًا على النُّسَّاك في الأديار، بل هي ممكنةٌ هنا، في مُدننا وبيوتنا ورعايانا. ومن أجمل ما أنعم الله به علينا أنَّ المجمع الأنطاكيّ المقدَّس، في دورته العادِيَّة الرَّابعة عشرة المنعقدة في البلمند بتاريخ التَّاسع عشر من تشرين الأوَّل 2023، أعلن قداسة كاهِنَيْن شهيدَيْن من كرسِيِّنا: الأب نقولا خِشِّة، وابنه بالجسد الأب حبيب خِشِّة الدِّمشقيَّيْن. وقد أُقيمتْ صلاة الشُّكر ووُقِّع طرس إعلان القداسة في دير سيِّدة البلمند البطريركيّ يوم السَّبت الحادي والعشرين منه، برئاسة غبطة أبينا البطريرك يوحنَّا العاشر وآباء المجمع المقدَّس، وثبَّتوا تذكارهما الجامع في السَّادس عشر من تمُّوز من كلِّ عام. وفي هذَيْن الأبوَيْن يتحقَّق قَوْل الرَّسُول: «اذكُروا مُرشديكُم الَّذين كَلَّموكُم بكلمَةِ الله، وانظروا إلى نهاية سيرتهم فتمثَّلوا بإيمانهم» (عب 13: 7).
إذا تأمَّلنا في هذا العيد، يتجلَّى لنا أبٌ وابنُه – لا مِن القرون الأولى للمسيحيَّة حيث كان المسيحيُّون يُعانون الاضطهاد والقتل فيستشهدون لأجل الإيمان بالرَّبّ يسوع المسيح – بل من أمسنا القريب، نالا معًا إكليل الشَّهادة، وكأنّ الدَّم الَّذي سُفِك في الأب جرى في عروق الابن حتَّى بلغ به الغاية نفسها. فلنفحص سيرتهما باختصار لنتعرَّف عليهما، وهكذا يشدُّ الشَّوق القارئ ليتوسَّع في البحث عن حياتهما وشهادتهما.
* * *
وُلد نقولا خشّة في دمشق سنة 1856، في حَيّ القيمريَّة العريق، من أبوَيْن تقيَّيْن. تاجر بالحرير في شبابه كأبناء الشَّام، لكنَّ قلبه كان مُعَلَّقًا بالكنيسة. كان مِن رُوَّاد النَّهضة الَّتي أعادَتْ إلى الكرسيّ الأنطاكيّ تألُّقَه، فرُسم كاهنًا سنة 1900 في الكاتدرائيَّة المريميَّة، وصار واعِظًا يشُدُّ النُّفوس إلى الله، وراعِيًا يُطفِئُ الخصومات ويرُدُّ الشَّاردين. ثمّ أُرْسِل سنة 1908 وَكيلًا بطريركيًّا إلى أبرشيَّة كيليكية، فجعل مَقَرَّه في مِرْسِين، فوحَّد شعبه، وأعاد بناء الكنائس، وفتح المدارس، وافتقد الفقراء الَّذين كانوا أحَبَّ النَّاس إليه.
وحين عصفتْ بالمنطقة حملاتُ الإبادة والتَّهجير، وقف كالجبل يُدافِع عن رعيَّتَه وعن إخوتنا الأرمن المنكَّل بهم، لا يخاف سلطانًا ولا يُحابي ظالمًا. فضاق به الطُّغاة، وزُجّ به في السِّجن سنة 1917 حيث عانى من التَّعذيبٍ الوَحْشِيّ، فكُسِرتْ أضلاعُه واحدًا واحدًا، وهو يتمتم بكلام الكتاب المقدَّس حتَّى أسلم روحه. مات كما يموت الرُّعاةُ الصَّالِحُون، فقد قال الرَّبّ: “أنا هو الرَّاعي الصَّالح، والرَّاعي الصَّالح يبذل نفسه عن الخراف” (يو 10: 11)؛ وصَدَقَ فيه قَوْل كاتب المزامير: “كريمٌ في عينَي الرَّبِّ موتُ أبراره” (مز 116: 15).
* * *
أمّا ابنه حبيب، فوُلد في دمشق سنة 1894، ونال شهادةً جامعيَّة، وعمل في التِّجارة سنواتٍ قبل أن يترك كلَّ شيء ويدخل الكهنوت سنة 1932، فخدم في المريميَّة ثمّ في رعيَّة القصاع وكنيسة الصَّليب المقدَّس معظَم حياته. كان رجلَ صلاةٍ وصومٍ وزُهد: يُقيم القدَّاس كلَّ صباح، ويفتقد رعيّته بيتًا بيتًا سيْرًا على قدَمَيْه. عُرِف بسخاءٍ يفوق الوَصف؛ كان يُعطي السَّائل كلَّ ما في جَيْبِهِ، ويستدَين ليزوِّج فتاةً فقيرة، بل كان يحمل طعام بيته تحت جبّته ليضعه على مائدة عائلةٍ معوزة.
في هذا الأب تجسَّد قولُ القدِّيس باسيليوس الكبير: “الخبزُ الَّذي تحفظه في المخبأ هو مُلكٌ للجائعين، والثَّوبُ الَّذي تُقفِل عليه الخزانة هو مُلكٌ للعُراة، والحذاءُ الَّذي يتلفُّ عندك هو مُلكٌ للحفاة”. وتحقّق فيه ما نَبَّه إليه القدِّيس يوحنَّا الذَّهبيّ الفم: “أتريد أن تُكرِّم جسد المسيح؟ لا تُهمله متى كان جائعًا… بينما تقدِّم له على المذبح ثيابًا حريريَّة وتتركه في الخارج يَهلك بَرْدًا وجوعًا”؛ فكان الأب حبيب يتمِّم سِرَّ الشُّكر بقوَّة المسيح على مذبح الفقير، كما يخدمه على المذبح المقدَّس. وكان يقول للمُهاجِر: ابقَ! لذلك، هو أحبَّ دمشقه وحرَّض أبناءها على التَّمسُّك بأرضهم.
وكان يُصَلِّي أن يموت شهيدًا كأبيه، فاستُجيب له إذ في السَّادس عشر من تمُّوز 1948، وبينما كان في خلوةٍ روحيَّة عند سفح جبل الشَّيخ يقرأ في الكتاب المقدَّس، اعترضه من ظَنُّوه غير ما هو، فعذَّبوه وكسروا عظامه وألقوه في الوادي، فمضى إلى ربَّه شهيدًا. وصدق فيه قَوْلُ المخلِّص: «مَن أراد أن يخلِّصَ نفسه يُهلكُها، ومَن يُهلِكُ نفسه من أجلي يجدها» (متَّى 16: 25).
* * *
ماذا نتعلَّم مِن هذَيْن الأبوَيْن؟
هذان الأبوان لم يتركا مجلّداتٍ في اللَّاهوت، لكنّ حياتهما عظةٌ مستمرَّة:
يعلِّماننا أنَّ الكاهن راعٍ يبذل نفسه لا أجيرٌ يهرب؛ وأنَّ القداسة مسيرةُ كلِّ مؤمنٍ لا الرُّهبان وحدهم، كما ذكَّرنا غبطة البطريرك يوحنَّا العاشر، فهي أنْ ننسى ما وراءَنا مِن ظُلْمَةٍ ونمتَدّ إلى الفضيلة. ويعلِّمانِنا أنَّ محبَّة القريب هي الطَّريق؛ يقول القدِّيس أنطونيوس الكبير بهذا الخُصوص: “حياتَنا وموتنا هما مع قريبنا، فإنْ رَبِحْنَا قريبنا رَبِحْنا الله”. ويعلِّماننا أنَّ الفقر لا يمنع السَّخاء، وأنَّ المؤمِن يَقف مع المظلوم أيًّا كان دينُه، وأنَّ حبَّة الحِنْطًة إنْ لم تَقَعْ في الأرض وتَمُتْ تبقى وحدها، وإنْ ماتَتْ أتَتْ بثَمَرٍ كثير (يو 12: 24).
* * *
ولماذا سيرتُهما اليوم بالذَّات؟
لأنَّ عيدَهُما على الأبواب في الأسبوع القادم، ولأنّنا نعيش زمنًا يُشبه زمنهما: حروبٌ وضِيق، واقتصادٌ منهار، وإغراءُ الهجرة يطرق كلّ باب. وقد نبَّهَنا القدِّيس أنطونيوس منذ قرون: “يأتي وقتٌ يُصاب فيه النَّاس بالجنون، فإذا رأوا مَن ليس مجنونًا هاجموه قائلين: أنت مجنون، لأنّك لست مثلنا”. فحين يجنُّ العالم حولنا، يكشف لنا الشَّهيدان كيف نبقى عُقَلاء بالإيمان، فـ “قُوَّة المسيحيَّة في الوَداعة والاحتمال لا في القَهر” (الذهبيّ الفم)؛ وهذه قوَّةُ شهيدَينا: لم يَحملا سيفًا، بل احتملا حتَّى النِّهاية. وها هما يَقُولان لنا من مجدهما: إنَّ الأرض الَّتي وُلدتم فيها مقدَّسة فلا تتركوها للخراب، والكنيسةُ في الشِّدَّة لا تُغلَق أبوابها بل تتّسع صدورها، والرَّاعي الحَقّ يبقى مع شعبه ولو كَلَّفَهُ ذلك حياته. وليَكُن على شفاهنا في ضيقنا ما لم يُفارِق شَفَتَيْ الذَّهبيّ الفم حتَّى النَّفَس الأخير: “المجدُ لله على كلِّ شيء”.
يا أحبَّة، لنلتمس شفاعة هذيْن القدِّيسَيْن الأنطاكيَّيْن، ولنَقْتَدي بغَيرتهما وسخائهما وثباتهما، عاملين بنصيحة القدِّيس أنطونيوس الكبير: “حيثما تذهب ليَكُن الله نُصْبَ عينَيْك”. وليكن تذكار الشَّهيدين في الكهنة نقولا وحبيب الدِّمشقيَّيْن في السَّادس عشر من تمُّوز عيدًا لبيوتنا جميعًا كما هو عيدٌ لكنيستنا، فنُرَبِّي أبناءنا على أنَّ القداسة ممكنة، وأنّ “طوبى للمضطهدين من أجل البِرّ فإنَّ لهم ملكوت السَّماوات” (متّى 5: 10).
بركةُ القدّيسَيْن الشَّهيدَيْن في الكهنة نقولا وحبيب لتَكُن معَنا جميعًا، وصلواتُهما سياجًا لكرسيّنا الأنطاكيّ المقدَّس ولأبرشيَّتِنا وشعبها.
ومن له أذنان للسَّمع فليسمع.
+ أنطونيوس
متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما