Menu Close

نشرة كنيستي- أحد العنصرة العظيمالعدد 22

الأحد 31 أيَّار 2026

كلمة الرَّاعي 

عيد العنصرة: نفخة الرُّوح وحياة الكنيسة

“ولما قال هذا نفخ وقال لهم: خذوا الرُّوح القُدس” (يو 20: 22)

يتجسَّد في عيد العنصرة سرٌّ مركزيّ من أسرار الإيمان المسيحيّ: هو انسكاب حياة الله في وسط الكنيسة، وولادة الجماعة المقدَّسة بقوَّة الرُّوح القُدس. العنصرة هي لحظة تأسيسيَّة، تربط بين الخَلْق الأوَّل وبين الخَلْق الجديد في المسيح، وتُعلن أنَّ الكنيسة لا تحيا إلَّا بنفخة الرُّوح القُدس. ففي يوم العنصرة، كما تُخبرنا أحداث سِفْرِ أعمال الرُّسُل (أع 2)، حلَّ الرُّوح كألسنةٍ ناريَّةٍ على التَّلاميذ، ومَنَحَهُم لغةَ الصَّلاة والشَّهادة والقدرة على محبَّة العالم بلا حدود. هذه النَّفخة الإلهيَّة ليست ذكرى لمرَّةٍ واحدةٍ فحسب، بل واقعٍ سِرِّيٍّ يتواصل في كلِّ ليتورجيا وكلِّ سِرٍّ من أسرار الكنيسة.

الكتاب المقدَّس يربط بين وَعْد الله بأنْ يسْكُبَ روحَهُ “على كلِّ بَشَر…” (يوئيل 2:28-29) ووعد المسيح: “وأنا أطلب من الآب فيُعطيكم مُعَزِّيًا آخَر لِيَمْكُثَ معكم إلى الأبد” (يوحنا 14:16). وقد رأى القدِّيس يوحنَّا الذَّهبيّ الفم في العنصرة اكتمال الوعد المسيانيّ، إذْ قال: “اليوم صار الرُّوح ساكنًا فينا، لا كزائر بل كساكنٍ دائم” (تفسير أعمال الرُّسُل). أمَّا القدِّيس غريغوريوس النَزِيَنْزِي فأكَّدَ أنَّ الرُّوح القُدس يُشَكِّل في المؤمنين صورة المسيح ويقودهم إلى معرفة الآب والابن: “الرُّوح يجعلنا مشابهين للمسيح، ويقودنا إلى الله”(الخطب اللَّاهوتيَّة، 5).

القدِّيس باسيليوس الكبير يُوضِح أنَّ الرُّوح هو الَّذي يُحْيِي الكنيسة: “كما أنَّ النَّفْس في الجسد، هكذا الرُّوح القُدس في الكنيسة”(عن الرُّوح القُدس، 9). والمطران جورج خضر يُضيف في تأمُّلاته: الرُّوح ليس قوَّةً خارجيَّة تُستَخدَم، بل هو شخصٌ حَيٌّ يهب الحياة، يُطَهِّر القُلوب، ويُحَوِّل الفرد إلى عضوٍ فاعلٍ في جسد المسيح (خضر، 2010).

*             *             *

اللِّيتورجيا الأرثوذكسيَّة تُدْخِل المؤمنين في عَيْشِ السِّرِّ واختبار فعل الرُّوح القُدس فيهم. ففي صلاة استدعاء الرُّوح القُدس في القدَّاس الإلهيّ (επικλήσεις) يقول الكاهن: أرسِل روحَكَ القُدُّوس علينا وعلى هذه القرابين الموْضوعة، واجْعَل أمّا هذا الخبز فجَسَدَ مسيحِكَ المكَرَّم، وأمّا ما في هذه الكأس فَدَمَ مَسيحِكَ المكَرَّم” (ليتورجيا القدِّيس يوحنَّا الذَّهبيّ الفَم). هكذا يُصبح المؤمنون مُتَّحِدين في دعاءٍ واحدٍ وروحٍ واحدٍ وقلبٍ واحد. لكن، ما هي الخطوات الَّتي عليها السَّيْرُ فيها لتفعيل نعمة الأسرار فينا ولتحقيق عَنْصَرَتِنا الشَّخصيَّة؟

ثلاث أمورٍ مَطلوبة ولا بُدَّ منها لتفعيل نعمة الرُّوح القُدس فينا: تهيئة القلب بالتَّوْبَة فالرُّوح لا يَدخُل حيث يَسْكُنُ الفِسق والقسوة، بل إلى قلوبِ مَنْ تابوا وطلبوا التَّجديد (2 كورنثوس 7:1). القدِّيس كيرلُّس الأورشليميّ يقول: “الرُّوح القُدس لا يسكن في النُّفوس النَّجِسة، بل في القلوب الطَّاهرة” (الموعظة 17). تفعيل المواهب الإلهيَّة للبُنْيَان لأنَّ الرُّوح يمنح مواهب متنوِّعة لبُنْيَان جسد المسيح (1 كورنثوس 12:4-11). القدِّيس إيريناوس يُشَدِّد: “حيث تكون الكنيسة، هناك روح الله؛ وحيث يكون روح الله، هناك الكنيسة وكلّ نِعْمَة”(ضدَّ الهرطقات، 3: 24). الوَحدة والمحبَّة فقد انحدر الرُّوح بهيئة ألسنةٍ ناريَّةٍ ليجمع لا ليُفَرِّق. المغبوط أوغسطينوس يُعَلِّق: “كما أنَّ كثيرين صاروا جسدًا واحدًا بالرُّوح، هكذا الكنيسة تتكلَّم لغةَ المحبَّة الَّتي يفهمها الجميع”(العظة على المزامير، 32).

*             *             *

يا أحبَّة، العنصرة هي دعوة للخروج إلى البشارة. الرُّوح يُحَوِّل الخَوْف إلى جرأة، والانغِلاق إلى شهادة. كما خرج التَّلاميذ لِيَكرِزوا بأعمال الله لكلِّ أُمَّةٍ، نحن أيضًا مدعوُّون إلى تعلُّم الكلمة الإلهيَّة وتعليمها بالقَوْلِ بالفعل من خلال خدمة إخوة يسوع الأصاغر عبر رعاية المحتاجين، الاعتناء باليَتيم والمريض والمهمَّش والضَّعيف، والشَّهادة لِحَقِّ الله كخطوةٍ لِتَحْقِيقِ عدالةٍ أسمى في العالم. القدِّيس يوحنَّا الذَّهبيّ الفَم يقول:  “الرُّوح القُدس يَجْعَل مِنْ صيَّادي السَّمك صيَّادي النَّاس”(عظة على أعمال الرُّسُل)، وهذا ما نحن مدعوُّون أنْ نَصيره…

لكن ما هي صفات المبشِّر؟ هذه يُعَدِّدُها لنا الرَّسُول بولس (غلاطية 5:22-23) وهي “محبَّة، فرح، سلام، طول الأناة، لطف، صلاح، إيمان، وداعة، تعفُّف”. القدِّيس مكاريوس المصريّ يُعَلِّق: “النَّفْس الَّتي امتلأت بالرُّوح، تفيض محبَّةً وفرحًا وسلامًا كما ينبوع لا ينضب”(العظة الرُّوحية، 4). هذه هي خبرة العنصرة في الكنيسة وفي حياة المؤمنين والقدِّيسين، وهي “سِرّ الرَّجاء” الَّذي فينا.

لذلك، فلنُعِدّ أنفسنا لعيد العنصرة بصلاةٍ صادِقَةٍ، وبتوبَةٍ حقيقيَّة. لنفتح قلوبنا لعمل الرُّوح الَّذي يُحَوِّل ويَشفي ويُرسل. ولنطلب من الرَّبّ أنْ يمنحنا أن نكون كنيسة ونمتلئ حكمةً وحياةً جديدة، وأن يجعلنا أنوارًا في العالم، شهودًا على محبَّته. وكما يقول القدِّيس غريغوريوس النِّيصُصيّ: “الرُّوح يَقودُنا مِن مَجْدٍ إلى مَجْد، حتَّى نصير على صورة المسيح” (عن الحياة المسيحيَّة الكاملة).

ومن له أذنان للسَّمع فليسمع…

+ أنطونيوس

متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما

مواضيع ذات صلة