Menu Close

نشرة كنيستي- الأحد (5) بعد الفصح (الأعمى)- العدد 20

الأحد  17 أيَّار 2026

كلمة الرّاعي 

الخليقة الجديد والإبصار في الحَقّ

“لا هذا أخطأَ ولا أبواه، لكن لتظهَرَ أعمالُ اللهِ فيه” (يو 9: 3)

هل تسبِّب الخطيئة أمراضًا جسديَّة؟ وهل كلّ مرض جسديّ مرتبط بخطيئة؟ هذا أوضحه الرَّبُّ يسوع بجوابه على سؤال التَّلاميذ:  يا رَبُّ، مَن أَخْطَأَ أهذا أَمْ أبواهُ حتَّى وُلِدَ أعمَى؟” (يو 9: 2)، حين قال لهم:  “لا هذا أخطأَ ولا أبواه، لكن لتظهَرَ أعمالُ اللهِ فيه” (يو 9: 3). ومع ذلك، فالخطيئة قد تُسبِّب أمراضًا جسديَّة للإنسان، على سبيل المثال، من يُدْمِن مُعاقرة الخمرة يُتلِف كبده ويمرض ويموت، وأمثلة أخرى كثيرة تدلُّ على ارتباط أمراض بخطايا أو أهواء يرتكبها الإنسان. أمّا في حادثة إنجيل هذا الأحد، فليس مرض أو تَشَوُّه خلق هذا الإنسان نتيجة خطيئة منه أو من أهله، بل نتيجة خَلَلٍ في الطَّبيعة البشريَّة حصل عند الحبل به. لكن المؤكَّد أنَّ الخطيئة تُسبِّب أمراضًا روحيَّة ونفسيَّة عند الإنسان، لأنّها انحراف عن الطَّبيعة الأصليَّة الصَّالحة الَّتي خُلِق الإنسان عليها من الله. الثَّابِت أنَّ الشَّهوة والهوى والخطيئة تُعْمِي البَصَر الرُّوحيّ للإنسان، لأنَّ القلب يتوسَّخ والرُّؤية تَنْحَجِب حين تحتجب كلمة الله عن فكر الإنسان وقلبه…

*             *             *

الأعمى منذ مولده حين أبصر، تفتَّحتْ حواسُّه الرُّوحيَّة أيضًا، وامتلأ من قوَّة الحَقّ بفعل النِّعْمَة الَّتي انسكبتْ عليه في الشِّفاء، فالرَّبّ دائمًا يشفي النَّفْس والجسد، والنَّتيجة ترتبط باستعداد الإنسان ورغبته في التَّغيير نحو الأفضل أي نحو النَّقاوة والحَقّ… “الحياة الأفضل” (راجع يو 10: 10) تتعلَّق بارتباط الإنسان بيسوع كنَبْعٍ ومصدرٍ لوُجوده. الفاقِد العَيْنَيْن، بعد أن أبْصَرَ الكَوْن جديدًا بعينَيه اللَّتَيْن خَلَقَهُما له يسوع، أبصر الحَقّ بفرحٍ بعينَيْ قَلْبِهِ، وصار شاهدًا له وحتَّى شهيدًا إذْ طُرِدَ من المجمع… الأعمى الَّذي أبْصَرَ لم يكتفِ بالفرح الجسديّ، بل دخل في مسيرةٍ إيمانِيَّةٍ عميقة: مِن مُجَرَّد معرفة أنَّ “يَسوع رجل” إلى الاعتراف به كـ “نَبِيّ”، ثمَّ إلى السُّجود له كـ”ابن الله”. هذه المسيرة هي صورة لمسيرة كلِّ مؤمنٍ، حيث يبدأ باللِّقاء مع المسيح في خبرةٍ بسيطة، ثمَّ ينمو في الإيمان حتَّى يصل إلى الاعتراف الكامِلِ بالحَقّ. كلَّما ثبت الإنسان في الشَّهادة للحَقِّ وتحَمَّل لأجلها الضِّيق والشِّدَّة، كلَّما تكاثرتْ النِّعْمَة فيه ونَمَا في الرُّوح ومعرفَةِ الله أكثر فأكثر، وإذا خاف ورجع عن شهادته خسر كلَّ نعمة…

*             *             *

يا أحبَّة، إنَّ الخليقة الجديدة الَّتي يهبها لنا المسيح فيه ليست حدثًا خارجيًّا، بل هي ولادة داخليَّة في أعماق الكَيان البشريّ، حيث يُنقّى القلب ويستنير النُّوس (الذِّهن – العقل الرُّوحيّ) ليُبصِر نور الثَّالوث. فالخطيئة تُعمي، لكنَّ النِّعْمَة تفتح البَصيرة. والإنسان الَّذي يتطهَّر من أهوائه يصير قادرًا أنْ يَرى الله في كلِّ شيء، وأن يشهد للحَقِّ حتَّى وسط الاضطهاد، كما فعل الأعمى الَّذي طُرد من المجمع لكنَّه قُبِلَ عند المسيح.

هذا الإنجيل يُذَكِّرنا أنَّ الألم والضُّعف ليسا “عِقابًا” من الله كما يظنُّ البعض، بل هما فرصةً لتَجَلِّي عمل الله وقوَّته فينا. فكلّ جرح يمكن أن يتحوَّل إلى تعزية بنور المسيح، وكلّ عجزٍ يمكن أنْ يُصبح فرصةً لإظهار قوَّة الله فينا بالشَّهادة لِحَقّه. المسيح لا يكتفي بأنْ يُعطينا عُيونًا جديدة، يَمْنَحُنا قلبًا جديدًا، ويجعلنا خليقةً جديدة قادرة أنْ تُبصر الحَقّ وتعيش فيه وتشهد له لأجل خلاص العالم…

ومن له أذنان للسَّمع فليسمع…

+ أنطونيوس

متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما

مواضيع ذات صلة