Menu Close

نشرة كنيستي- الأحد (1) بعد الفصح (توما الرَّسُول)- العدد 16

الأحد 19 نيسان 2026

كلمة الرّاعي 

أحد توما: من الشَّكِّ إلى الإيمان الحَيّ

“لا تَكُنْ غيرَ مُؤمنٍ بَل مؤمنًا” (يو 20: 27)

في الأحد الَّذي يَلي الفصح المجيد، تُعَيِّد الكنيسة المقدَّسة أحد توما الرَّسول، حيث يُقرأ الإنجيل الَّذي يَروي ظهور الرَّبّ القائم لتلاميذه، وغياب توما عن اللِّقاء الأوَّل، ثمَّ حضوره في اللِّقاء الثَّاني بعد ثمانية أيَّام، حين لمس الجراح وأعلن إيمانه قائلًا: “رَبِّي وَإِلَهِي” (يو 20: 28). أهمِيَّة هذا الحَدَث أنَّه وقع في تاريخٍ مُحَدَّد ولِكَوْنِه أيقونة روحيَّة تكشف لنا عن مسيرة الإيمان من الشَّكّ إلى اليَقين، وعن ضعف الإنسان وقوَّة فعل نعمة الله فيه، وعن التَّحوُّل الكيانيّ المدعو إليه كلّ مؤمن عبر اختبار حقيقة قيامة الرَّبّ في حياته وفي الكنيسة…

القدِّيس يوحنَّا الذَّهبيّ الفَم يَرى في توما صورة للإنسان الَّذي يحتاج إلى علامات مَلْموسة ليؤمن، فيقول إنَّ الرَّبَّ لم يرفض طلبه بل تنازل له بمحبَّةٍ، لكي يثَبِّت إيمان الجميع. هنا يظهر أنَّ الشَّكَّ ليس خطيئة بِحَدِّ ذاته، بل يمكن أن يكون مدخلًا إلى الإيمان الأعمق إذا ترافق مع صدق البحث. المطران جورج خضر يُعَلِّق قائلًا: “المسيحيَّة لا تُبنى على القهر أو الإلغاء، بل على حرِّيَّة القلب الَّذي يختار أن يؤمن”. فتوما لم يُقصَ من الجماعة بسبب شَكِّه، بل بقي تلميذًا، والرَّبُّ نفسه جاء ليُجيب على حاجته.

القدِّيس غريغوريوس الكبير يكتب أنَّ توما، بِلَمْسِه الجراح، شفى جراح شَكِّه. فالجرح الَّذي بدا علامةَ موت صار علامة حياة. ألكسندر شميمن، في كتابه “من أجل حياة العالم”، يربط هذا الحدث بِسِرِّ الكنيسة، حيث يُعطى المؤمن أنْ يلمس المسيح القائم في الأسرار، خصوصًا في الإفخارستيَّا: “الإيمان المسيحيّ ليس فكرةً عقليَّةً، بل خبرة ملموسة يعيشها المؤمن في جسد المسيح السِّرِّيّ”. فالإيمان هنا يتحوَّل من مُجَرَّد نظريَّة إلى لقاءٍ حَيّ بين الإنسان والرَّبّ النَّاهض من بين الأموات…

*             *             *

الكنيسة رتّبت أن يُقرأ هذا الإنجيل في الأحد الأوَّل بعد الفصح لتؤكِّد أنَّ القيامة ليست حَدَثًا عابِرًا، بل بدايةَ زمنٍ جديد. ثمانيَة أيَّامٍ بعد الفصح تُشير إلى اليوم الثَّامن، أي الزَّمن الأبديّ الَّذي دشَّنه المسيح بقيامته. المطران جورج خضر يكتب: “الأحد الجديد هو امتدادٌ للفصح، حيث يُدعَى المؤمن أنْ يعيش القيامة لا كَذِكرى، بل كحياةٍ يَوْميَّة”. أمَّا الأب ألكسندر شميمن فيرى أنَّ أحد توما هو دعوة إلى أن نتحوَّل نحن أيضًا من مجرَّد مستمعين إلى شهود، من متفرِّجين إلى مشاركين في سرِّ القيامة.

مِنَ اللَّافِتْ أنَّ توما لم يَلْتَقِ الرَّبّ منفردًا، بل في وسْط الجماعة. هذا يذكِّرنا أنَّ شهادةَ الإيمان الأرثوذكسيّ بالقيامة جماعيَّة، وأنَّ الاعتراف بها يجب أن يكون جماعيًّا وشخصيًّا في وسط الجماعة. القدِّيس كيرلُّس الإسكندريّ يُشَدِّد على أنَّ حضور المسيح يتمُّ في الكنيسة، حيث يجتمع المؤمنون حول الكلمة والأسرار. لذلك، فإنَّ الشَّكَّ يُشفى في الجماعة، والإيمان يُعلَن في الجماعة، والقيامة تُختَبَر في الجماعة… كما تُختَبَر هذه كلِّها على الصَّعيد الفرديّ. فخبرة الفرد ولمسه لحقيقة قيامة الرَّبّ على الصَّعيد الشَّخصيّ تنمّي إيمان الجماعة، وخبرة الجماعة للقيامة تثبّت إيمان الفرد…

*             *             *

في زمننا المعاصر، حيث يكثر الشَّكّ والبحث، يعلِّمنا توما الرَّسُول أنَّ الله لا يخاف من أسئلتنا ولا يرفضها مهما كانت هذه الأسئلة، لا أسئلة محرَّمة أمام الله، بل كلُّ ما يشغل بال الإنسان مشروع طرحه والسُّؤال عنه لإيجاد الجواب اليَقين. لذلك، يقترب الله منَّا لِيُحَوِّل أسئلتنا له إلى إعلان إيمان. المطران جورج خضر يقول في إحدى عظاته: “المسيحيَّة ليست دين الإجابات الجاهزة، بل هي لقاءٌ حَيٌّ مع المسيح القائم”، وشميمن يُضيف أنَّ القيامة ليست فكرة فلسفيَّة، بل هي خبرة وُجوديَّة تُغَيِّر الإنسان من الدَّاخل. لذلك، فإنَّ أحد توما هو دعوة لكلِّ واحدٍ منَّا أن يضع إصبعه في جراح المسيح من خلال جراح العالم، وفي ألم المسيح من خلال آلام الآخَرين، ليكتشف هناك حضور المسيح القائم والشَّافي الجراح والمعَزّي من الألم والغالب الشِّرِّير…

*             *             *

يا أحبَّة، أحد توما هو عيد الإيمان الَّذي يوُلَد من الشَّكِّ الصَّادق، وعيد الحُرِّيَّة الَّتي توُلَد من الثَّوْرة على الذَّات والإنسان العتيق الَّذي فينا، وعيد الكنيسة-جسد المسيح وجماعة الإيمان الواحد “المسلَّم مرَّة للقدِّيسين” (يهوذا 1: 3) الَّتي تعيش القيامة خبرة حياةٍ يوميَّة. إنَّ صرخة اعتراف توما “رَبِّي وإلهي” هي هتاف اعتراف الكنيسة كلِّها، وهي صرخة كلّ مؤمن يلتقي المسيح في سِرِّ الإفخارستيَّا وفي حياة الجماعة وفي مَخدعه. فلنفتح قلوبنا لنستقبل النُّور الَّذي لا يَغْرُب، ولنَدعو الرَّبَّ أن يأتي إلينا ويُحَوِّل شكوكَنا إلى يَقين، وجراحنا إلى خبرةِ شفاء، وموتنا عن الخطيئة إلى تذوُّق للقيامة العامَّة، لكي نكون شهودًا أمناء لحقيقة قيامته المجيدة في عالمٍ عطشانٍ إلى الرَّجاء والسَّلام والفرح والمحبَّة…

ومن له أذنان للسَّمع فليسمع…

+ أنطونيوس

متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما

مواضيع ذات صلة