Menu Close

نشرة كنيستي- أحد الشَّعانين- العدد 14

الأحد 05 نيسان 2026

كلمة الرّاعي 

يسوع المسِّيَّا: الدُّخول المظفَّر إلى أورشليم

“هوشعنا مُبارك الآتي باسم الرَّبّ ملك إسرائيل” (يو 12: 13)

الرَّبُّ هو المنتَصِر، هذه هي حقيقة مطلَقَة وثابتة، الله يَغلب لا محالة، لكنَّ الغَلَبة الَّتي يحقِّقها ليست كما يظنُّ البشر ولا بالطُّرق الَّتي هم مُعتادون عليها، أي لَيْسَت هي غلبة ضدّ الإنسان وبقوَّة السِّلاح والقتل بل بالحَرِيّ هي غلبة لأجل الإنسان وبقوَّة سلاح المحبَّة والوِلادة الجديدة من الماء والرُّوح… إنَّها إماتة للموت وعتق من الكبرياء وتحرُّر من الأنانيَّة وعطاء عِوَضَ الأخذ ومُسامَحَة بَدَل الإدانة ونور يدحض الظُّلمة…

“المسِّيًّا” المُنتَظَر ليس ملكًا على شاكلة ملوك هذه الدُّنيا بل هو ملك الدُّهور ورَبُّ الأرباب الَّذي أتى ليُحقِّق ملكوت الله في هذا العالم وليجعل الأبديَّة داخل الزَّمن ولينقل المؤمنين به من هذا العالم إلى السَّماوات… فيَصِيروا حضور السَّماء في الأرض و“مَمْلَكَةَ كَهَنَةٍ وَأُمَّةً مُقَدَّسَةً” (خروج 19: 6)… المسّيّا الملك يأتي ليجعل المؤمنين به، فيه، ملوكًا وكهنةً منذ الآن في ملكوت أبيه…

*             *             *

اكتمل قصدُ الله في المسيح، فيما بقي كثيرون ينتظرون المَسِيَّا بحسب فهمهم الخاصّ، وهؤلاء هم اليَهود الباقون إلى اليوم. فالنُّبوءات تحقَّقَتْ في يسوع، ومشروع الله للبشريَّة قد أُكمِل فيه. لكن، يوجد إلى اليوم يهود ومسيحيُّون، ربَّما، ما زالوا ينتظرون المسيح الَّذي يدخل أورشليم على حصان وليس على جحش، يدخل ظافرًا بسيفه المرتوي من دماء الأعداء، وليس ظافرًا بدمه المهراق لخلاص العالم على الصَّليب… هل يعلم المسيحيُّون أنَّ مسيحَهم – المسِّيَّا أتى “ليبذل نفسه فداء عن كثيرين” (متى 20: 28)، وليس ليبذل الكثيرين لأجل نفسه؟!… ما زال كثير من المسيحيِّين غير مُدرِكين لسِرِّ الفِداء العَظيم الَّذي أتَمَّه ابن الله الوَحيد بموته على الصَّليب ليحرِّر الإنسان من روح العَداوة مع الآخَر ومن روح التَّسلُّط عليه ومن استهلاكه لأجل الذِّات، كثيرٌ من المسيحيِّين ما زالوا يعتقدون أنَّ المسيح أتى ليُسلِّطهم على الأرض بالقوَّة، أو ليمنحهم الرَّفاه والامتلاء من ملذَّات العالم!… يوجد مسيحيُّون يعيشون على هامش وصايا الرَّبّ، لا بل يسلكون ضِدَّها  في أفكارهم وأقوالهم وأعمالهم… لكن، يبقى “بقية باقية” و”قطيع صغير” (لوقا 12: 32) أُمَناء للرَّبِّ ولكلمته، وهؤلاء هم “نور العالم” (مت 5: 14) و”ملح الأرض” (مت 5: 13) و”الخمير اليَسير الَّذي يُخمِّر العَجين كلّه” (مت 13: 33)…

*             *             *

يا أحِبَّة، الرَّبُّ يأتي إلينا دائمًا، يطلبنا أوَّلًا، يسعى إلينا، يريد أن يخلِّصنا… هل نحن واعون أنَّه آتٍ؟ على نحن منتظرينه؟ هل نحمل بأيدينا سعف النَّخل أي غلبتنا بنعمته على أهوائنا وخطايانا لنقدِّم له قلوبَنا أورشليم يدخلها وينتصر فيها على الخبث والمكر والظُّلم والقتل؟!… هل نعترف به ملكًا علينا وسَيِّدًا لحياتنا؟!… أي كلُّ شيء لنا!… الأعياد عندنا ليست تَذَكُّرًا بل ذكرى آنيَّة لتدبير الله الخلاصيّ أي حدث ماضٍ ومستمرّ في الآن وفاعِل في اللَّحظة الحاليَّة. نحن في أحد الشَّعانين، نستقبل اليوم والآن يسوع المسيح مع الجُموع والأطفال والرُّضَّع بفرح النَّصر على إبليس والخطيئة والموت وسؤدُد المحبَّة في “موضعِ سيادته” أي فينا، على رجاء أن نكون نحن أرضه ومملكته في هذا العالم، لنصير هنا بقعة من ملكوته الآتي لتعزية المتألمين والمظلومين والمقهورين… يسوع المسيح هو ملك السَّلام في القلوب الَّذي يَشِعُّ على العالم لينشر فيه الفرح والرَّحمة… عيد الشَّعانين لنا أن ننشُر سلام يسوع في العالم بعد أن يكون قد سكن فينا، وأن يسود حكمه في الأرض أي الحَقِّ والبِرِّ والفَضيلة بقوَّةِ المحبَّة الباذِلَة والمُضَحِيَة الَّتي تحتضن آلام الإنسان وتعطيه بالنِّعْمَة الَّتي من فَوْق أن يَصير هذا الألم فُرْصَةً لِعَيْشِ إيماننا بالغالب الموت بالعطاء، وإيماننا بالقيامة بالتَّوبة العامَّة أي بتغيير فكر العالم لِيَصير بحسب فكر المسيح… حتَّى نستطيع أن نصرخ:  “هوشعنا مُبارك الآتي باسم الرَّبّ ملك إسرائيل” الجديد، “إسرائيل الله” (غلاطية 6: 16)…

ومن استطاع أن يَقبل فليقبل…

+ أنطونيوس

متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما

مواضيع ذات صلة