Menu Close

نشرة كنيستي- الأحد الخامس من الصَّوم  (القدِّيسة مريم المصريَّة)- العدد 13

الأحد 29 آذار  2026

كلمة الرّاعي 

غربة الزَّمَن وزمن الغُربة

نموذج مريم المصريَّة في العُبور من النَّجاسة إلى الطَّهارة

في تاريخ الكنيسة، تُعتَبَر سيرة القدِّيسة مريم المصريَّة مثالًا حيًّا على أنَّ التَّحرُّر من عبوديَّة الخطيئة لا يتحقَّق إلَّا عبر الغربة عن حياة هذا العالم، والعُبور إلى زمنٍ جديد يعيشه القلب في حَضرة الله. فهي الَّتي عاشَتْ في النَّجاسة رَدْحًا مِن الزَّمَن، ثمَّ عبرت إلى الطَّهارة من خلال التَّوبة والانعزال في البرِّيَّة، لتُصبح رمزًا للغُربة المقدَّسَة.  فالغُربة طريق إلى الحُرِّيَّة حين تكون وَعْيًا عميقًا لضرورة الخروج من العالم، وهذا يعني أوَّلًا خروجًا روحيًّا أي قناعة بأنَّ تُرابيَّة إنسان هذا العالم وطِينيَّته يُشَكِّلان عناصر العدميَّة فيه، الَّتي يتمسَّك هو بها طالبًا إيجاد معنى حياته فيها حَصْرًا أي في مَلَذَّاتِها… وهنا يُضلِّ الإنسان ذاته إذْ يَحصر وجودَه بالجسديَّات والنَّفسيَّات الفانيات مُهْملًا الرُّوحيات والأبديَّات. فالإنسان العالمَيّ سيرته وحياته هي في هذا العالم وفي إطار المحسوسات والملموسات، في حين يقول الرَّسُول بولس بأنَّنا “لسنا من هذا العالم، بل سيرتنا هي في السَّماوات” (فيلبي 3 :20). فالغُربة هنا ليست هروبًا من الزَّمَن، بل تحرُّرًا من سلطان الزَّمَن أي محدوديَّة هذا العالم الَّذي يُقَيِّد الإنسان بشهواته وأهوائه. وفي هذا الإطار، يُعَلِّقُ القدِّيس يوحنَّا الذَّهبيّ الفَم: “الغربة عن العالم هي بداية الاتِّحاد بالله، لأنَّ من يترك الأرضيَّات يقتني السَّماويَّات“.

*             *             *

 مريم المصريَّة عبرت من الظُّلمة إلى النُّور، هي الَّتي عاشت في حياة الخطيئة، لكنَّها حين حاولتْ دخول كنيسة القيامة في أورشليم، وجدَتْ قوَّةً غير منظورة تمنعها. عندها أدركت أنَّ النَّجاسة تحجبها عن النِّعْمَة. رفَعَتْ قلبها إلى العذراء مريم طالبةً الشَّفاعة، ففُتح لها الباب، وكان ذلك بداية عبورها من زمن النَّجاسَة إلى زمن الطَّهارة. فتركت المدينة، وذهبت إلى البرِّيَّة، حيث قَضَتْ سنواتٍ طويلةٍ في التَّوْبة والصَّلاة، لتُصبح غريبةً عن العالم، ولكن قريبةً من الله.

القدِّيس أنطونيوس الكبير يقول: “مَن أرادَ أن ينجو من فِخاخ الشَّيْطان، فليتغرَّب عن العالم، لأنَّ الغُربة تحفظ القلب نقيًّا“، وهذا ما فعَلَتْهُ المصريَّة، فأطاعت الكلمة الإلهيَّة: “اخرجوا من وَسْطِهم واعتَزلوا، يقول الرَّبُّ، ولا تَمَسُّوا نجسًا فأقبلكم…” (2كورنثوس 6:17). أدركت المصرِيَّة أنَّها لا تستطيع أن تبقى في العالم فيما بعد، لأنَّها عرَفَتْ نفسها ورأت فَظاعة ما فيها مِن دَنَسٍ ورَجاسَة، فاختارَتْ طريق الطَّهارة بالكُلِّيَّة وعَرَفَتْ أنَّها حين تضع يدها على المحراث فلا يجوز أبدًا أن تلتفت إلى خلف لئلَّا تخسر خلاصها، لقد قرَّرَتْ إماتة إنسانها العتيق، إنسان الخطيئة والذِّل والعبوديَّة لإبليس بشهوات الجسد نهائيًّا وعرفت بالرُّوح ما قاله الرُّوح للقدِّيس إفرام السُّريانيّ بأنَّ “الغربة عن الزَّمَن هي ولادة جديدة، فيها يخلع الإنسانُ الإنسانَ العَتيق ويلبَس الجديد“. فهِمَتْ أنَّها يجب أنْ تتغرَّب عن هذا الزَّمَن وما فيه لتدخُل الزَّمَن الجديد والخليقة الجديدة بدُخولها في زمن الغُربة…

*             *             *

يا أحِبَّة، “غُربة الزَّمَن” تعني أنَّ الإنسان يشعُرُ بأنَّ هذا العالم لا يَمْنَحه المعنى الحقيقيّ لوجوده لأنَّه يعلم أنَّ هذا الوجود مؤقَّت، بينما هو يتوق إلى الأبديَّة وإلى الخُلود… فيعيش زمنه طالبًا معنى لوجوده في ملذّاته وإنجازاته عساه بهذه الأمور يترك بصمةً تَدوم بعد رحيله القَسريّ عن هذا العالم… أمَّا “زمن الغُربة” فهو المرحلة الَّتي يختار فيها المؤمِن أنْ يَعيشَ كَغَريب، لا يتشبَّث بمباهج هذا الدَّهر، بل يُوَجِّه قلبه نحو الله. المسيحيُّون كانوا يَعيشون كغُرباء في هذا العالم، “كَأَوْلاَدِ الطَّاعَةِ”، لَا يُشَاكِلُون شَهَوَاتِهم السَّابِقَةَ فِي جَهَالَتِهم أي قبل أن يعرفوا الرَّبَّ، بَلْ نَظِيرَ الْقُدُّوسِ الَّذي دَعَاهُمْ، كانوا يَعيشون “قِدِّيسِينَ فِي كُلِّ سِيرَةٍ” (راجع 1 بطرس 1). مريم المصريَّة جسَّدَتْ هذَيْن البُعْدَيْن: شعَرَتْ بغربة الزَّمَن حين اكتشفت خواء حياتها السَّابقة، ثمَّ عاشَتْ زمَنَ الغُربة في البرِّيَّة حتَّى صارَتْ إيقونةً للتَّوْبة.

إنَّ سيرةَ مريم المصريَّة تُعَلِّمُنا أنَّ التَّحرُّر من النَّجاسة لا يتحقَّق إلَّا بالتَّغرُّب عن حياة هذا الزَّمَن عن منطقه عن أهدافه ومتطلِّباته الدَّهريَّة (secular)، والعبور إلى زَمنٍ جديدٍ تُشرق فيه الطَّهارة بالرُّوح القُدس في التَّوْبة والعُبور إلى حياةِ “الخليقة الجديدة” في المسيح. الغُربة ليست فقدانًا، بل امتلاء؛ ليست عزلة، بل لقاءٌ مع الله. وهكذا يصبح زمن الغُربة هو زمن الحرِّيَّة، وغربة الزَّمَن هي بداية الأبديَّة…

ومن استطاع أن يقبل فليقبل…

+ أنطونيوس

متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما

مواضيع ذات صلة