نشرة كنيستي- الأحد (6) بعد الفصح (آباء المجمع المسكوني)- العدد 22
الأحد 31 أيّار 2020
كلمة الرَّاعي
أن نصعد مع المسيح…
”لمّا أكمَلْـــــتَ التَّدبير الّذي من أجلنا، وجــعلـــت الّذين على الأرض متّحدين بالسّماويِّين، صعدتَ بمجد أيُّها المسيح إلــــــهـــنا، غير منفصل من مكان، بل ثابتًا بغير افتراق وهاتفا بأحـــــــــــبَّــــــــــــــــــــــائــــــــــــــك:
أنــــــــــــــــــــــــا مــــــــــــــــــــــــــعــــــــــــكـــــــــم، وليــــــس أحد عليكم“
(قنداق عيد الصّعود)
لم ينزل ابن الله الوحيد من السّماء إلّا ليَصعد إليها من جديد. نزل ليتَّخذ طبيعتنا، وصعد ليُصعدها إلى يمين الآب. الّذين على الأرض لا يعرفون إلّا ما في الأرض، وأمّا الّذي من السّماء فهو يعرف كلّ شيء ما فوق وما في الأرض وما تحت الأرض، بما أنّه الإله، ولكن بعد تجسُّده الإلهيّ صارت السّماء والأرض فيه متَّحدتَين، وبعد قيامته صار التّراب مضيئًا بنور النّعمة الإلهيّة الّتي سكبها في العنصرة على رسله في ميلاد الكنيسة.
غاية الوجود أن نكون مع الله، وهو خلقنا لنشاركه سرّ الكينونة الحقّ الّذي فيه. الإنسان دون الله خواء وفراغ وعدم، إنّه لا وجود وهو يصير موجودًا بكلمة الله وروحه… ولا يحيا في الكلمة إلّا من سكن فيه الرّوح، ولا يكمن الرّوح إلّا في من آمن بالكلمة، ومن صار مسكن الله فهو قائم في المسيح بالرّوح عن يمين الله الآب…
* * *
”الْكَلِمَةُ قَرِيبَةٌ مِنْكَ جِدًّا، فِي فَمِكَ وَفِي قَلْبِكَ لِتَعْمَلَ بِهَا“ (تثنية 30: 14). نعم! بتجسُّد الرَّبّ سكن الكلمة فينا بالرّوح القدس، فلم تعد كلمة الوصيّة شريعة خارجيَّة بل صارت متَّحدَة بنا ونحن متّحدين بها. ”هَا أَيَّامٌ تَأْتِي، يَقُولُ الرَّبُّ، وَأَقْطَعُ مَعَ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ وَمَعَ بَيْتِ يَهُوذَا عَهْدًا جَدِيدًا (…) أَجْعَلُ شَرِيعَتِي فِي دَاخِلِهِمْ وَأَكْتُبُهَا عَلَى قُلُوبِهِمْ، وَأَكُونُ لَهُمْ إِلهًا وَهُمْ يَكُونُونَ لِي شَعْبًا“ (إرمياء 31: 31-33). بالمسيح تمَّم الله وعده بـ ”العهد الجديد“. نصير شعب الله متى دخلنا هذا العهد الجديد، أي متى آمنّا بتجسُّد الكلمة وموته على الصّليب ودفنه وقيامته وصعوده بالجسد وجلوسه عن يمين الآب وإرساله روحه القدّوس. هكذا اتَّحَدَتِ الأرض مع السّماء والتّرابيّون مع اللّاهَيُوليّين…
هذا ما علّمه آباء المجمع المسكونيّ الأوّل المنعقد في نيقية عام 325 م.، وهذا أساس المسيحيّة، وهذه هي الجِدَّة في الوحيدة في الخليقة والوجود. من هو في السّماء سكن الأرض كإنسان، كان فوق وكان أسفل في نفس الوقت لأنّه غير محصور ولا محدود، ومع ذلك حدّ وجوده الظّاهر أمام البشر بجسده الّذي أصبح بعد الموت والقيامة والصّعود وإرسال الرّوح القدس سرِّيَّ الحضور والوجود، لأنّه صار مطرح تجلِّي لقيا السّماء والأرض في الكنيسة المقدَّسة. هكذا، رُدمت الهوَّة بين السّماء والأرض بجسد ابن الله الوحيد، لأنّ الّذي هو غير منفصل عن الآب لا ينفصل أيضًا عن الكنيسة لأنّها جسده. اليوم، الأرض والسّماء متَّحديتين بدون انفصال أو انقسام وبدون اختلاط أو تشوّش في المسيح… هذا هو الإنسان الجديد…
* * *
لم يأت المسيح ابن الله المتجسِّد إلى العالم ليمنع موت الجسد بل ليهبنا القيامة العامَّة بالجسد… هذا هو انتظارنا الأخيريّ (eschatologique)، وهذا هو مبدأ حياتنا في المسيح أنّنا نأتي من فوق لأنّنا ولدنا من جرن المعموديّة، رحم الكنيسة، أبناء للدهر الآتي ونحن نعيش من اغتذائنا من ”شجرة الحياة“ أي جسد الرَّبِّ ودمه ومن النّعمة الإلهيّة الّتي تنسكب علينا من فوق لتستردَّنا من عالم السُّقوط إلى عالم الملكوت.
من آمن بالمسيح وبقي يتعاطى العالم كأنّه سرمديّ لا يمكنه أن يعرف القيامة. فقط من أدرك أنَّه بالٍ وأنّه ”تراب ورماد“ يطلب الحياة الأبديّة الّتي بالوصيّة الإلهيّة الجديدة في المسيح. خارج المسيح تبقى الوصيّة ناموسًا وربّما تصير صنمًا، أمّا في المسيح فالوصيّة روح وحياة من فوق. هكذا نصعد من ترابيّتنا ومن طينيَّتنا إلى سرّ لاهيوليّتنا بالرّوح القدس السّاكن فينا بالمسيح. ”إِذًا إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي الْمَسِيحِ فَهُوَ خَلِيقَةٌجَدِيدَةٌ: الأَشْيَاءُ الْعَتِيقَةُ قَدْ مَضَتْ، هُوَذَا الْكُلُّ قَدْ صَارَ جَدِيدًا“ (2 كورنثوس 5: 17). لم يعد بإمكاننا أن نفكِّر ونعقل ونتصرّف مثل ”الإنسان العتيق“ (أفسس 4: 22) المُنفسِد بثمار الكبرياء والأنانيّة تابعًا شهوات البدن ولذَة حبّ الظّهور والمديح والإكرام وعبوديّة المال والسُّلطة الدّهريّة… هذا كلّه ”باطل وقبض الرّيح“ (جامعة 1: 14).
أيّها الأحبّاء، نصعد مع المسيح حين ننزل معه إلى جحيميّة نفوسنا وأجسادنا، لأنّنا إذا نزلنا وحدنا نموت من اليأس والإحباط، وأمّا معه فهو يكشف لنا بنوره ما في ظلمة قلوبنا وبحنانه ينقّيها مترجّيًا فينا الأمانة له والثّبات في طلب نعمته القادرة على أن تنقلنا من الأرض وتحت الأرض إلى السّماوات إلى قلب الله…
ومن له أذنان للسّمع فليسمع…
+ أنطونيوس
مـتروبوليــت زحلة وبعلبك وتوابعهـما