Menu Close

نشرة كنيستي- أحد الفصح العظيم المقدَّس- العدد 15

الأحد 12 نيسان 2026

كلمة الرّاعي 

القيامة: فِصحنا نحو الحياة الأبديَّة

“فأمَّا كلُّ الَّذينَ قَبِلوهُ فقد أعطاهُم سُلطانًا أن يكونوا أولادًا للهِ” (يو 1: 12)

الحياة تَجَدُّد دائم وإلَّا لا تكون حياةً. البعض يعيشها برَتابةٍ ورُكود لأنَّ مصدر التَّجدُّد لا يأتي من الحياة نفسها بل من مصدرها. ومَن كان منفصلًا عن المصدر لا يتجدَّد أي لا يسير نحو كماله أي تحقيق معنى وجوده ولا يرتَقي بالرُّوح بل يبقى في نِطاق التُّراب… التَّجدُّد يتطلَّب عُبورًا من عَتاقةٍ إلى جدَّة، مِن فكرٍ إلى فكر ومِن ظلمةٍ إلى نور… لا بُدَّ من تغيير داخليّ أو بالأحرى ثورة وانقلاب في كيان الإنسان. ليحدث هذا يجب خلق وَعي مُتجدِّد لحقيقة الإنسان بحسب كَشْفِ يسوع المسيح. الإنسان ليس “ترابًا ورمادًا” (تك 18: 27) ومصيره ليس كمصير البهيمة (راجع، جامعة 3: 19). إعلان يسوع المسيح أتى ليُعيدَ الرَّجاء للإنسان بالكرامة الأبديَّة بالقيامة… فنهاية الإنسان في المسيح ليست كنهاية باقي المخلوقات بل هي حياةٌ أبديَّة ومجدٌ سَرمديّ…

*             *             *

قيامة الرَّبّ يسوع المسيح من بين الأموات حرَّرتْ الجنس البشريّ من خوف الموت لأنَّه صار مؤقَّتًا، ولأنَّ انتظارَ استعلان يوم الرَّبّ، يكون لمن هم في المسيح،انتظارًا في النُّموّ بالنِّعْمَة الإلهيَّة. الحياة لا تتوقَّف بعد الموت، لذلك لا يتوقَّف النُّموّ الرُّوحيّ للإنسان البارّ… انتظار القيامة العامَّة هو انتظار لإعادة اتِّحاد جسد الإنسان مع روحه واكتمال الشَّخص في ملكوت الله. هذا صار مُعطى في المسيح وبواسطة الاتِّحاد معه بنعمة الرُّوح القدس. الرُّوح القدس هو الَّذي يجعل الاتِّحاد بالمسيح واقتناء الحياة الأبديَّة مُمْكنًا لنا نحن البشر. الرُّوح القدس يُشْرِكنا في قيامة المسيح وحياته الأبديَّة… هذا ليس أمرًا يتحقَّق في المجيء الثَّاني فقط بل هو مُعطى منذ الآن للَّذين “لا مِن دَمٍ ولا مِنْ مشيئةِ لحمٍ ولا مِنْ مَشيئةِ رَجُلٍ لكنْ مِنَ الله وُلِدوا” (يو 1: 13). مَن يتحرَّر من الخوف لا يَعود يُخطِئ، لأنَّ سبب الخطيئة هو الخوف الكيانيّ الكامِن في أعماق القلب من الموت… هذا يأتي مِن كوننا أبناء آدم الأوَّل وعلى شبهه، لكن مَن خَرَج مِن جرن المعموديَّة يَصير ابن آدم الثَّاني وعلى مثاله… إنسانًا طاهر القلب والكيان مُلتَصقًا بكلمة الله وطاعتها وشاهدًا للنِّعْمَة والحَقّ… وحاملًا في ذاته نور الحياة الحقيقيَّة بيسوع المسيح الرَّبّ…

*             *             *

يا أحِبَّة، القيامة تفعل فينا كما فعلت في الرُّسُل، شرط أن نؤمن. القيامة خَلْقٌ جديد للخليقة بأسرها، علينا أن نكون باكورتها ليصير العالم مكانًا أفضل. الحروب مصدرها الخوف من الآخَر، وسببها الطَّمَع والجشع، ومُحَفِّزها المصالح والكبرياء، ومُغَذِّيها الحقد والأنانيَّة… صانِعوها يربطون وجودهم بقوَّتهم الفانية، ويظنُّون أنَّ غلبة وقتيَّة، مهما طال زمنها، تشبه الأبديَّة وتُغني عنها، لذلك فهم يبيدون سريعًا… القيامة حرَّرتنا من خوف الَّذين يقتلون الجسد، هذا (أي الجسد) إلى انحلال مهما طال عمرنا، المهمّ حرِّيَّة الرُّوح اي انعتاق القلب من الأهواء وامتناع الإنسان عن الخطيئة… القيامة تحرِّرنا من العادة المميتة، أي تَعَوُّد الخطيئة وإدمانها، إنَّها قَطع لكلّ اعتياد، فالخبرة تعلِّمنا أنَّ الخروج من القديم يتطلَّب قطعًا للرَّغبة بالنَّظر إلى الخلف، وهذا بِيَد الإنسان كمشيئة ويتحقَّق بقوَّة النِّعْمَة في صلاة “القلب المتخشِّع والمتواضع”… القيامة خبرة متجدِّدة في حياتنا طالما نحن في هذا العالم، إنَّها بكلمةٍ أُخرى التَّوبة أي فصحنا، عبورنا، إلى الحياة الأبديَّة عندما تصير قلوبنا مملوءة محبَّة للرَّبِّ وللإخوة… أي حين يتحوَّل الإنسان من مُتَمَرِّدٍ على الله غريب عنه إلى مُطيعٍ لكلمته وابنٍ ووَارِثٍ له…

القيامة اتِّحاد بالله وسُكناهُ فينا بالمسيح في نعمة الرُّوح القدس، وهذه هي الحياة الأبديَّة وملكوت السَّماوات الَّذي نتذوَّقه الآن وننتظر استعلانه الأخير في مجيء ربِّنا يسوع المسيح في آخِر الأزمنة. فلنَكُن نحن حُضور يسوع في هذا العالم المتألِّم ونوره وسلامه لتزداد النِّعْمَة ويَسُود الحَقّ وتمسح عن كلِّ وجهٍ كلَّ دمعة… هكذا تصير قيامتنا فصح العالم نحو الحياة الأبديَّة إذْ تتجَلَّى الخليقة الجديدة الَّتي بالمسيح المنبعِث من الرَّمْس…

المسيح قام! حقًّا قام!

+ أنطونيوس

متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما

مواضيع ذات صلة