نشرة كنيستي- الأحد (2) بعد الفصح (حاملات الطِّيب)- العدد 17
الأحد 26 نيسان 2026
كلمة الرّاعي
يوسف الرَّامي ونيقوديموس
شهود الدَّفن وبوادر القيامة
في مسيرة الكنيسة عبر القرون، يُطِلُّ علينا شخصان مذكوران في أناجيل الآلام والقيامة، قلَّما يُذكران، لكنَّ حضورهما في النُّصوص الإنجيليَّة يحمل دلالات عميقة، وهما: يوسف الرَّامي ونيقوديموس. كلاهما كان من أعيان اليهود، عضوين في السّنهدرين، لكنَّهما تميَّزا بجرأة الإيمان في لحظةٍ بدا فيها كلّ شيء يتعلّق بيسوع وبتلاميذه منهارًا.
يوسف، رجل غنيّ من الرَّامة، وُصف بأنَّه “كان ينتظر ملكوت الله” (مر 15: 43). تقدَّم إلى بيلاطس وطلب جسد يسوع، فصار بذلك أوَّل مَن أعلن بجرأةٍ أنَّ المصلوب يستحقُّ تكريم الموتى، لا عار المجرمين. أمَّا نيقوديموس، الَّذي جاء إلى يسوع ليلًا (يو 3: 1-2)، فقد ظهر علنًا عند الدَّفن، حاملًا مزيج المرّ والعود، وكأنّه يعلن أنَّ الَّذي تحدَّث إليه عن الولادة الجديدة من فوق هو نفسه الَّذي يفتح أبواب الحياة الأبديَّة عبر موته وقيامته.
هذان الرَّجُلان، في لحظة الصَّمت والخوف، تحوَّلا إلى شهود دفن المسيح، وبالتَّالي إلى شهود القيامة. فالكنيسة ترى أنَّ مَن وضع الجسد في القبر هو نفسه الَّذي هيّأ إعلان فراغ القبر في اليوم الثَّالث.
* * *
إنَّ يوسف ونيقوديموس اللَّذَيْن كانا يتواصلان مع يسوع قبل صلبه بحذرٍ واحتياط، تحوَّلا بعد صلبه وموته من الخوف إلى الجرأة، من السِّرِّ إلى العَلَن، من التردُّد إلى الاعتراف. يُعَلِّق القدِّيس يوحنَّا الذَّهبيّ الفَم حول هذا الأمر قائلًا: “إنَّ يوسف أظهر شجاعةً عظيمة، إذْ طلب جسد المسيح علانيةً، غير خائفٍ من اليهود. ونيقوديموس الَّذي كان يأتي ليلًا صار الآن يشارك في النَّهار، مُعلنًا أنَّ النُّور غلب الظُّلمة”. لحظة الحقيقة، لحظة الشَّهادة للحَقِّ، جعلت محبَّتهما لله والْتِصاقَهُما بالحَقِّ يتجَلَّيان عَلَنًا بطلب جسد يسوع ولَفَّه بالأكفان وتحنيطه ودفنه… ويرى القدِّيس إيرونيموس في عمل يوسف ونيقوديموس صورة عن الَّذين يضعون رجاءهم في المسيح رغم الاضطهاد: “لقد صار القبر مكان رجاء، لأنَّ الَّذين دفنوا الرَّبّ كانوا ينتظرون أنْ يقوم.”
في إحدى مقالاتِه حول أحد حاملات الطِّيب، يُشير المطران جورج خضر إلى أنَّ النِّساء اللَّواتي أتَيْن بالطِّيب فجر الأحد، ومعهُنَّ يوسف ونيقوديموس، يمثِّلْنَ الكنيسة في لحظة الانتقال من الحزن إلى الفرح. يقول: “الَّذين أحبُّوا يسوع في موته، هم الَّذين صاروا شهود قيامته. فالطِّيب الَّذي أُعِدّ للجسد صار رمزًا لرائحة الحياة الجديدة.” ويُضيف المطران خضر أنَّ يوسف ونيقوديموس، مع حاملات الطِّيب، جَسَّدوا الإيمان الَّذي لا ينهار أمام الصَّليب، بل يرى فيه بداية القيامة. إنَّهم الَّذين لم يهربوا، بل بقوا إلى جانب الجسد، فصاروا أوَّل من سمع بشارة الملاك: “ليس هو ههنا، لكنَّه قام.”..
* * *
إنَّ حضور يوسف ونيقوديموس في نصوص الآلام والقيامة يذكِّرنا بأنَّ القيامة ليست حدثًا مفاجِئًا بلا جذور، بل هي ثمرة محبَّةٍ وانتظار تحقيق وعد الرَّبّ. هؤلاء الرِّجال، مع النِّساء حاملات الطِّيب، شكَّلوا جماعةً صغيرة من المؤمنين الَّذين لم يتخلُّوا عن الرَّبِّ في ساعة الظُّلمة، وهذا لأنَّ محبَّتهم ليسوع غلبتْ خوفهم وتكمَّلت فيهم، إذ “لا خوف في المحبَّة، بل المحبَّة الكاملة تطرح الخَوْف خارجًا، لأنَّ الخَوْف له عذاب. وأمَّا من خاف فلم يتكمَّل في المحبَّة” (1يو 4: 18). لذلك، ترى الكنيسة فيهم مثالًا لكلِّ مؤمنٍ يجرؤ أن يعلن إيمانه في زمن الصَّمت. يوسف ونيقوديموس لم يكونا من التَّلاميذ الاثني عشر، لكنَّهما صارا جزءًا لا يتجزَّأ من شهود القيامة الأَوَّل. هذا يفتح الباب أمام كلّ إنسانٍ ليكون شاهدًا للقيامة متى تجرَّأ وأعلن إيمانه بها حيث يسود صمت وسكوت في العالم إذ يجبُن الآخَرون عن الاعتراف…
* * *
يا أحبَّة، القيامة لم تُعلَن فقط عبر ظهورات المسيح، بل أيضًا عبر شهادة القبر الفارغ، الَّذي وَضع فيه يوسف ونيقوديموس الجسد. إنَّ فعل الدَّفن نفسه صار جزءًا من الكرازة: “دُفن (..) وقام في اليوم الثَّالث” (1 كو 15: 3 – 4). لذلك يَرد ذكر يوسف ونيقوديموس في قانون الإيمان بشكلٍ غير مباشر، لأنّ الكنيسة لا تنسى أنّ القيامة مرتبطة بالدَّفن، وأنَّ مَن دفنوا المسيح صاروا شهودًا على أنَّ القبر لم يستطع أن يحتفظ به. فالدَّفن والقيامة هما وَجهان لسِرِّ الفصح: الدَّفن يؤكِّد حقيقة الموت، والقيامة تؤكِّد انتصار الحياة. الكنيسة لا تفصل بينهما، بل تراهما معًا شهادةً على أنَّ المسيح دخل في عمق الموت ليهزم الموت من الدَّاخل. الآباء شدَّدوا على هذه العبارة كجوهر الإيمان. القدِّيس أثناسيوس الكبير يقول: “لو لم يُدفَن المسيح حقًا، لما كانت القيامة حقًّا. فالدَّفن هو ختم الموت، والقيامة هي كسر الختم.” وفي زمننا، حيث الإيمان يُختبر أمام تحدّياتٍ كثيرة، نحن مدعوُّون أن نكون مثل يوسف ونيقوديموس شهودًا لإيماننا عَلَنًا، وأنْ نضع رجاءنا في المسيح خاصَّةً في لحظة الصَّليب، وأن نَمُدَّ إعلان الكنيسة للقيامة في اللِّيتورجيا إلى حياتنا اليوميَّة عبر عَيْشِنا كـ “خليقةٍ جديدة” (2 كو 5: 17) على صورة النَّاهض من الرَّمس كما يقول القدِّيس غريغوريوس بالاماس: “مَن يُشارِك المسيح في آلامه، يُشارِك أيضًا في قيامته”. يوسف ونيقوديموس شارَكا في آلامه عبر الدَّفن، فصارا شركاء في إعلان قيامته، فهما ليسا شخصيَّتين ثانويَّتين، بل هما جزء من سرِّ الفصح. مع حاملات الطِّيب، جسَّدا الكنيسة الأولى الَّتي لم تَخَفْ من الصَّليب، بل رأت فيه بداية الحياة الجديدة والغَلَبَة على الشِّرِّير والخطيئة والموت. شهادتهم تَدْعونا أن نكون نحن أيضًا شهودًا للقيامة، لا بالكلام فقط، بل بالفعل، بالجرأة، وبالمحبَّة الَّتي لا تَخاف من الموت…
ومن له أذنان للسَّمع فليسمع…
+ أنطونيوس
متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما