Menu Close

نشرة كنيستي- الأحد (26) بعد العنصرة- العدد 49

الأحد 06 كانون الأوَّل 2020

كلمة الرَّاعي

القدِّيس نيقولاوس العجائبيّ وقداستنا

قدّيس له ”شعبيّة“ عند المؤمنين شرقًا وغربًا في كلّ أنحاء العالم. صيته في وجدان الكنيسة أنّه ”أبو الفقراء والمظلومين“. في سيرة حياته نقع على عدّة عجائب لرفع الظّلم ولمعونة الهالكين ولعضد المحرومين. هو صورة نقيّة للرّاعي الصّالح الرَّبّ يسوع المسيح راعي الخراف العظيم الّذي بذل نفسه عن خرافه. لذلك، هو عضد وسند وشفيع حار للمؤمنين في كلِّ ظرف وحين. ولكثرة إكرامه في الكنيسة، يُخصَّص كلّ خميس له مع الرُّسُل القدّيسين.

مع شهرته الكبيرة إلَّا أنّنا لا نعرف عن أخباره، قبل القرن التّاسع للميلاد، إلّا القليل القليل. يرجّح أنّه  عاش وصار أسقفًا ورقد بين القرنين الثّالث والرّابع الميلاديَّين. أوّل من كتب سيرته، بتوسّع، كان القدّيس سمعان المترجم حوالي العام 913 م. وكان ميثوديوس بطريرك القسطنطينيّة قد دوَّن عنه قبل ذلك سيرة مختصرة حوالي العام 840 م.

الإمبراطور البيزنطيّ يوستنيانوس بنى على اسم القدّيس نيقولاوس في القسطنطينيّة سنة 530 م. كنيسة هي الكنيسة المعروفة باسم القدّيسَين بريسكوس ونيقولاوس، في حي بلاشيرن الشّهير بكنيسة السّيّدة الّتي فيه. وعلى مقربة من المكان كان أحد الأسوار يحمل اسمه. وعندنا للقدّيس نيقولاوس أيقونات ورسوم حائطيّة منذ ذلك القرن أيضًا، نشاهد بعضها في دير القدّيسة كاترينا في سيناء.

*             *             *

في هذا الزّمن، نجد بعض النّاس من ”المؤمنين المحدّثين“ يشكّكون بقوّة الله وعجائبه الفاعلة في قدّيسيه ورفاتهم، أو بفعاليّة الأسرار المقدَّسة لشفاء النّفس والجسد. من ينكر عمل النّعمة الإلهيّة ينكر التّجسُّد وهو، بالتّالي، يسقط في الهرطقة ويعرِّض خلاصه للخطر.

سرّ الله في عجائبه يتعلّق به وحده وبالإنسان. لكنّ قوّة الله وعمل نعمته هو جوهر معنى التّجسّد الإلهيّ بالنّسبة لنا وكلّ عمل الرَّبّ الخَلاصيّ من ميلاده من البتول إلى بشارته إلى صلبه وقيامته وصعوده فإرساله الرّوح القدس المعزّي. الكنيسة ليست ضدّ العلم، بالعكس، فالعلم ثمرة عطيَّة حبّ الله، هو الّذي أعطانا الوجود والعقل والمنطق وروح الاكتشاف. ”أَعْطُوا إِذًا مَا لِقَيْصَرَ لِقَيْصَرَ وَمَا للهِ للهِ“ (متّى 22: 21). علينا أن لا نبقى في حدود العلم، لأنّ العلم لا يخلِّص الإنسان من الموت الرّوح والخطيئة بل التّوبة، كما أنّ العلم لا يمنح الإنسان حياة أبديّة. نحن نقبل الأمراض والآلام والموت، لأنّها جزء من هذا العالم. العلم واجبه أن يخفّف الألم ويمنح الدّواء لتخفيف وشفاء آلام النّفس والجسد. لكنّ، العلاج النّهائيّ للكَيان الإنسانيّ هو بنعمةِ الله الّتي هي استباق لسرّ الحياة الأبديّة والقيامة…

*             *             *

أيّها الأحبّاء، القدّيسون هم أحبّاء الله بمعنى أنّهم تركوا كلّ شيء لأجله وعرفوه حياتهم ومصدر كلّ نور وفرح وسلام … لهم … من لا يعرف أن يموت عن هذا العالم المائت لا يستطيع أن يتقبّل ما هو من خارج هذا العالم أي ما يأتيه من الآخِرة. سرّ القدّيسين والمسيحيّين الأُوَّل هو عيشهم بهذه الرّوح الأخرويّة (الإسخاتولوجيّة). الدّنيا لهم ممدودة إلى الآخرة، والآخرة هي منطلق هذه الدّنيا لهم. هم لا يأتون من هذا الدّهر، بعد أن عرفوا الرَّبّ ولبسوه في المعموديّة المقدَّسة. هكذا نحن، أيضًا، الّذين وصَلَنَا ”الإِيمَانِ الْمُسَلَّمِ مَرَّةً لِلْقِدِّيسِينَ“ (يهوذا 1: 3)، لا نكون حاملين هذا الإيمان الواحد الّذي حمله الرُّسُل والشّهداء والقدّيسون والأبرار والّذي دفعوا دماءهم ليسلّمونا إيّاه، ما لم نسلك على خُطاهم وبروحهم. يُخطئ من يظنّ أنّ المسيحيّة تعتمد على العجائب لتنمو، المسيحيّة إيمان حيّ وخبرة العيش مع الله. لو كان المسيحيّون الأوائل ينتظرون أن يخلّصهم الرَّبّ من موت الجسد والاستشهاد لما كانت مسيحيّة اليوم. المسيحيّة هي الشّهادة النّابعة من الإيمان الثّابت بالرَّبّ الّذي أحبّنا وبذل نفسه لأجلنا ولأجل حياة العالم…

*             *             *

أيّها الأحبّاء، القدّيس نيقولاوس هو نموذج ومثال للرّاعي الّذي أعطى كلّ كيانه للرّبّ في خدمة الخراف النّاطقة الّتي ائتُمن عليها. عجائبه كثيرة ومستمرّة لأنّ الله حيّ وفاعل في تاريخ البشر عبر الّذين هم له، أي عبر الكنيسة والمؤمنين به وقدّيسيه الّذين هم أحياء أمامه. العجيبة الكبرى الّتي علينا أن نطلبها على الدَّوام هي أن يهبنا الرَّبّ أن نتوب. ”من يتوب هو أعظم ممّن يقيم الموتى“، كما يقول القدّيس اسحق السّريانيّ. ومَن يتوب هو من يموت عن كلّ تعلّق بنفسه وبما لنفسه ليتعلّق بصنع مشيئة الله أي أن يحبّ… هذه هي قداستنا… المسألة لا تحتاج إنجازات وعجائب باهرة بمقاييس النّاس، لأنّ العجيبة الكبرى هي الّتي تتمّ في الخفية، في القلب … توبتنا … هنا تبدأ حياتنا المسيحيّة المَرْضِيّة لله وهنا يبدأ شفاؤنا الحقيقيّ للحياة الأبديّة….

ومن له أذنان للسَّمع فليسمع…

+ أنطونيوس

مـتروبوليــت زحلة وبعلبك وتوابعهـما

مواضيع ذات صلة