نشرة كنيستي- الأحد (23) بعد العنصرة- العدد 46
الأحد 15 تشرين الثَّاني 2020
كلمة الرَّاعي
التَّكريس والصَّوم
”وَأَنْتُمْ تَكُونُونَ لِي مَمْلَكَةَ كَهَنَةٍ
وَأُمَّةً مُقَدَّسَةً“ (خر 19: 6)
قبل استعلان الرَّبّ لموسى في جبل سيناء صام أربعين يومًا وأربعين ليلة. أيضًا حين عاين إيليّا النّبيّ الإله في النَّسيم العَليل كان ذلك بعد مسير صيام لأربعين يوم وأربعين ليلة… يُقدِّس الإنسان نفسه أي يكرِّسها للرَّبِّ بالصَّوم الّذي يكون عربون استعداد الإنسان وتعبيرًا عن شوقه لمُلاقاة السَّيِّد… إله إسرائيل أراد شعبه مكرَّسًا له بالكليّة، لذلك دعاهم ليكونوا له ”مملكة كهنة وأمّة مقدَّسة“. هذه الدَّعوة تحقَّقت في المسيح والمؤمنين به. لأنّ المسيح هو الكاهن وهو الأمّة المُقدَّسة وهو المقدِّس بروحه القدُّوس من يؤمنون بالآب.
* * *
لا قداسة بدون تكريس أي بدون أن يُخصِّص الإنسان نفسه لله في كلّ شيء. ”الّتي لك وهي ممّا لك نقدّمها لك…“، هذا هو مبدأ التّكريس للتَّقديس. الله أعطانا وجودنا، نحن لسنا لأنفسنا. إذا كنّا لا نملك ذواتنا فكيف لنا أن نملك في هذا العالم شيئًا. متى أدرك الإنسان أنّه لن يكون شيئًا ما لم يكن لله، حينها يفهم معنى وجوده. الله لا يحتاجنا لينوجد ويكون كاملًا، هو كاملٌ في ذاته. حاجتنا إلى الله ليست واجبًا أو فرضًا، إنّها مسألة وجوديّة، لكنّ الخالق لا يريدها إلّا تجاوبًا مع سرّ حبّه الخالق. لذلك، بالإيمان نتكرَّس بالحبّ للحبّ في الحبّ. ومن أحبّ، بهذا المعنى، عاش لأجل محبوبه الإلهيّ وطَلَبَهُ في كلّ وجه ومكان وزمان … من يكرِّس ذاته لله بالإيمان ويسلك في الصَّلاة والصَّوْم والخدمة والبذل والتَّضحية لا يحقّ له إلّا أن يحبّ بمحبّة المسيح الّذي فرزه له والّذي هو (أي الإنسان) يفرز له ذاته أي يختار الرَّبّ… الله ”أحبّنا أوَّلًا“ (1 يوحنا 4: 19)، ومحبَّتنا له من حبِّه لنا تتولَّد، لأنّنا منه نتعلَّم سرّ الوجود أي سرّ الحبّ الإلهيّ… ليست الحياة طرقًا، بل هي طريق واحد: ”أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى الآبِ إِلَّا بِي“ (يوحنا 14: 6). الحياة الأبديّة هي أن نعرفه (يو 17: 3). نعرفه حين نتَّحد بيسوع بنعمة الرّوح القدس. ومن اتّحد بالرَّبِّ صار وإيّاه روحًا واحدًا (راجع 1 كورنثوس 6: 17)، أي يغلب فيه روح الرَّبّ ويحيا به، فلا يعود الإنسان يحيا لنفسه بل للمسيح… الّذي في الآخَر…
* * *
أيّها الأحبّاء، ها نحن اليوم نلج صيام الميلاد الأربعينيّ المُقدَّس، الّذي ننقطع فيه عن الزَّفَرَيْن، مع السَّماح بالسَّمَك والمأكولات البحريّة، ما عدا أيّام الأربعاء والجمعة، إلى الثّاني عشر من كانون الأوّل. وُضِع هذا الصَّوم لنتحضَّر من خلاله لعيد ميلاد ربِّنا وإلهنا ومخلِّصِنا يسوع المسيح. نستعدّ لاستقبال طفل المغارة بالتَّنقية المكثّفة، لأنّ الصَّوم يساعدنا على الجهاد ضدّ أهوائنا عبر التَّدرّب على التّخلِّي عن ما هو مسموح وموافقلنطلب الجوهريّ فقط، أي ”لنضع قلوبنا فوق“ عند الرَّبّ، فنقول له من خلال صيامنا أنّنا سنبتعد عن الاهتمام والاضطراب بالأمور الكثيرة لأنّنا نعرف أنّ حاجتنا هي إليه هو وحده فقط (راجع لوقا 10: 41 و42).
في هذا الإطار، يأتي عيد دخول الطّفلة مريم ابنة الثّلاث سنوات إلى الهيكل، مريم ابنة يواكيم وحنّة الّتي صارت والدة الإله والّتي هي نموذج المكرَّسين لله الّذين يتجاوبون مع محبّة الّذي دعاهم من جوف أمّهاتهم (راجع غلاطية 1: 15) ليدخلوا هيكل طاعته بالحبّ فيصيروا بكلمته هياكل له في العالم تُجسِّدُ قداسته بالحنان والرَّأفة والاشفاق والمسامحة والبذل والعطاء بلا حدود، لأنّ الإنسان بالطّاعة للّامحدود يصير لامحدودًا بطاقاته، إذ يقتني روح الرَّبّ في كيانه الّذي يَفيض ”من جوفه أنهار ماء حيّ“ (يو 7: 38).
* * *
أيُّها الأحبّاء، غاية جهادنا الرّوحيّ أي صلواتنا وأصوامنا وتوبتنا ومسامحتنا وتواضعنا وعطائنا وارتيادنا بيت الله … غاية كلّ هذه الأمور أن نصير هيكلًا للرَّبّ أي أن يسكن فينا الله بنعمته. بهذا المعنى كان الهيكل رمزًا للإنسان والإنسان تجسيدًا للهيكل منذ الخلق. عندما خسر الإنسان الرُّوح القدس بالمَعصية تمزّقت حياته من الدَّاخل والخارج. لهذا تَجَسَّد الإله من مريم البتول، ولهذا جهَّزها له مسكنًا حين تكرَّست له في الهيكل. نحن، أيضًا، مدعوّون إلى أن نكرِّس ذواتنا لله في خدمة هيكل الرَّبّ أكان هذا الهيكل هو الإنسان أم البيت الّذي نجتمع فيه لكسر الخبز. حين نكرِّس ذواتنا لطاعة الكلمة الإلهيّة تصير الكلمة الإلهيّة مكرَّسة لتقديسنا بقوة الرّوح القدس… غاية حياتنا أن نكرّسها للرَّبِّ، وغاية التّكريس القداسة، والتّكريس والقداسة هما عطيّة الله لمن يُطيعونه…
ومن استطاع أن يَقْبَل فليَقْبَل…
+ أنطونيوس
مـتروبوليــت زحلة وبعلبك وتوابعهـما