الأحد الرَّابع من الصَّوْم (البارّ يوحنّا السُّلَّميّ)
العدد 12
الأحد 22 آذار 2026
كلمة الرّاعي
نقاوة القلب وطهارة الذِّهن (νοῦς) والتَّألُّه
“هَذا الجِنسَ لا يُمكِنُ أَن يَخرُجَ بِشَيءٍ إَّلا بِالصَّلاة والصَّوْم” (مر 9: 29)
في هذا الأحد المقدَّس الرَّابع من الصَّوْم الأربعينيّ المقدَّس، نُعَيِّد للقدِّيس يوحنَّا كاتب سُلَّم الفضائل الَّذي يضع فيه خُلاصة خبرته ومعرفته الرُّوحيَّة بعد سنين طوال من الجهاد في الصَّلاة والصَّوْم والتَّقشُّف والتَّغرُّب عن العالم والحروب مع الشَّياطين والأرواح النَّجِسة. تعليمه ينفع الرُّهبان والمؤمنين بعامَّة. طبعًا، المؤمن الَّذي يعيش في العالم عليه أن يتعلَّم الاستفادة ممَّا يناسبه في هذا الكتاب، فليس كلُّ ما فيه له نافع، أمَّا الرُّهبان فعليهم أن يَسْعُوا، ما استطاعوا، إلى عَيْشِهِ في العمق.
طريق القداسة تطهير القلب والذِّهن (νοῦς)، وهذه هي غاية أعمال النُّسك والصَّلاة وما يُرافقها، لأنَّه بدون هذه النَّقاوة لا يستطيع الإنسان أنْ يُعاين الله أي أن يعرفه. الطَّريق، إذن، هو التَّحرُّر من الأهواء والشَّهوات والتَّوبة عن الخطايا. وهذا ما يعبِّر عنه القدِّيس يوحنَّا السُّلَّميّ بقوله في كتاب السُّلَّم الدَّرجة 27: “طوبى للنُّوس الَّذي صار غير مادّيّ، فإنَّه يرى نور الثَّالوث بلا حِجاب”... أي أنَّ النُّوس، عندما يتحرَّر من الأهواء، يصبح واسطةً للمعرفة الإلهيَّة، فيعرف الإنسان الله في القلب بواسطة النُّوس-الذِّهن…
* * *
النُّوس هو “عَيْن القلب” أو العُضو الرُّوحيّ الَّذي بواسطته يتَّصل الإنسان بالله. الآباء شدَّدوا على أنَّ النُّوس ليس مجرَّد العقل المنطقيّ، بل هو مركز الإدراك الرُّوحيّ الَّذي يحتاج إلى تنقية من الأهواء والخيالات لِيَصير قادرًا على مُعاينة النُّور الإلهيّ. في الفصل الثَّاني من كتابه “الأعمال النُّسكيَّة” يوضح القدِّيس مكسيموس المعترف بأنَّ “النُّوس إذا تحرَّر من الأهواء، يرى طبيعة الأشياء كما هي، وإذا تنقَّى بالكلِّيَّة، يُعاين الأمور الإلهيَّة”.
إذًا، التَّحرُّر من الأهواء شرط أساسيّ في الطَّريق النُّسكيّ للحصول على قدرة أو نعمة إدراك الحقائق الرُّوحيَّة، وتاليًا مُعاينة الله في النُّور غير المخلوق…
لذلك، لا بُدَّ من العمل على التَّنقية، تنقية القلب من الأهواء بواسطة الصَّلاة والصَّوْم والأفعال الرُّوحيَّة المختلفة. حتَّى ينزل الذِّهن إلى القلب، لا بُدَّ أن يتحرَّر العقل المنطقيّ من التَّشويش ويدخل في الهدوء والسُّكون، أي أن يكون معتَقًا من كلِّ فكرٍ إيجابيّ أو سلبيّ كونه يجب أن يكون مأخوذًا بالصَّلاة، وهنا الصَّلاة هي صلاة قصيرة قلبيَّة: “ربّي يسوع المسيح ارحمني”، حتَّى يستطيع الإنسان أن يجمع عقله وذهنه لكي يدخل العقل في السُّكون ويدخل الذِّهن – النُّوس في القلب من جديد… وبعد إعادة الوحدة بين القلب والنُّوس تتدفَّق الصَّلاة وتغسل القلب بالنِّعْمَة فتجري سيول العيون دموع توبة مُرَّة إلى أن تتحوَّل بعد اغتسال القلب إلى دموع فرح وسلام قلب، فيِصير النُّوس نافذة للنِّعْمَة تدخل منها لتُطَهِّر القلب والكيان، ومعبرًا للإنسان إلى وجه الله في النُّور غير المخلوق وإلى المعرفة الإلهيَّة للذَّات والكائنات والكَوْن والوُجود… كما يوضح القدِّيس غريغوريوس بالاماس في دفاعه عن الهدوئيّين: “النُّوس إذا استقرَّ في القلب، يصير كلُّه نورًا، ويُعاين الإنسان النُّور غير المخلوق” (الخطب الدِّفاعيَّة عن الهدوئيِّين، الخطبة الأولى).
* * *
أن نتَّحد بالله أي أن نصير معه واحدًا، هو سِرُّ أقنمة النِّعْمَة الإلهيَّة أي اتِّحادنا بها واقتناؤنا لها بحيث يصير ما لله لنا وما لنا لله إذْ نكون قد وصلنا إلى حالة نقاوة القلب والتَّسليم الكُلِّيّ للرَّبّ، فيصير الإنسان ذو طبيعتَيْن بشريَّة وإلهيَّة (بالنِّعْمَة وليس بالجوهر) متَّحدتين في شخصه الواحد بدون انفصال أو انقسام وبدون امتزاج أو اختلاط، وهذا هو التَّألُّه (θέωσις)…
غاية جهادنا الرُّوحيّ في الحياة، وطريق الصَّلاة والصَّوْم والتَّوبة الَّذي نسلكه، ومحبَّة الله والقريب في سِرِّ المذبح، هي هذه المماثلة لله والتَّشبُّه به، بِقُوَّته وبإرادتنا (συνεργία)، ليكون هذا الاتِّحاد تعبيرًا عن الحبِّ في حرِّيَّة أبناء الله… وبذا يتمجَّد الله في الإنسان إذْ يتمجَّد الإنسان في الله…
يا أحِبَّة، لكي نصل إلى التَّألُّه يجب أن نسير في طريق التَّنقية والتَّطهير للقلب والذِّهن بوضوحٍ وثباتٍ وإصرار، ولنكون عمليِّين، لا بُدَّ من التزامنا ببرنامجٍ يوْميّ (تجدونه في ملحق هذه الكلمة) حتّى نصل إلى هذه الغاية المباركة، وهذا هو جهادنا الرُّوحيّ المطلوب. فمن تكاسل في جهاده الآن وقت مقبول للنُّهوض، ومَن تهاوَنَ فالوقت وقت استعادة للجِدِّيَّة، ومن فَتُرَت همَّتُه فالزَّمن زمن تشجيع…
ومن استطاع أن يقبل فليقبل…
+ أنطونيوس
متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما
ملحق كلمة الرّاعي – كيف أعيش في نقاوة الذِّهن
يا أحبَّة، أقترح عليكم هذا البرنامج اليوميّ البسيط لمن ليس لديه مرشد روحيّ أو أب اعتراف أو أب روحيّ يرافقه:
في الصَّباح
- صلاة النُّهوض من النَّوم (5 دقائق).
- قراءة روحيَّة (5 إلى 10 دقائق): فَصْل قصير من الإنجيل أو نصّ من الآباء.
- صلاة يسوع (5 إلى 10دقائق): “يا ربِّي يسوع المسيح، ارحمني أنا الخاطئ”.
الهدف: تثبيت النُّوس في القلب منذ بداية اليوم.
خلال النَّهار
- تكرار صلاة يسوع في أوقات الفراغ والعمل في وقت الطَّعام…
- ضبط الحواس: النَّظَر، السَّمَع، اللِّسان، إلخ.
- التَّصرُّف بناءً على طاعة الوَصِيَّة الإلهيَّة: في كلِّ الأمور الرُّوتينيَّة والطَّارئة.
- عمل محبَّة (صغير أم كبير): مساعدة شخص، كلمة طيِّبة، صدقة…
الهدف: حفظ النُّوس من التَّشتُّت وسط مشاغل الحياة.
في المساء
- صلاة النَّوم.
- قراءة روحيَّة: من 5 إلى 15 دقيقة.
- فحص الضَّمير وطلب المغفرة (5 دقائق): تلاوة صلاة القدِّيس أفرام السُّوري “أيُّها الرَّبُّ وسَيِّد حياتي”، مع التَّحضير لممارسة سرِّ التَّوبة والاعتراف دَوْريًّا عبر تسجيل الزَّلّات والسَّقطات يوميًّا في دفترٍ خاصّ للاعتراف بها عند الأب المعرِّف.
- صلاة يسوع: من 5 إلى 15 دقيقة قبل النَّوم.
الهدف: تطهير النُّوس من آثار اليوم وإعادته إلى نقاوته.