Menu Close

نشرة كنيستي- الأحد (12) بعد العنصرة- العدد 35

30 آب 2020

كلمة الرَّاعي

الإيمانُ بين التَّنْظِيرِ والْعَيْش

يَدَّعي الكثير من النّاس الإيمان. يمارسون شعائرهم، “واجباتهم الدّينيّة” كما يسمّونها. يظنّون أنَّ لهم بالشَّعائر والطُّقوس خلاصًا.

ما الفرق بين المؤمن والوثنيّ؟!. الأوّل يؤمن بإلهٍ حيّ لم يخترعه هو من أهوائه وأفكاره ومخاوفه بل يتقبَّله في الكشف الإلهيّ. أمّا الثّاني فيخلق إلهًا على صورة نفسه وأهوائه ومخاوفه. اليوم زالت الوثنيّة من عندنا، في الظَّاهر، ولكن ما زال الوثنيّون موجودين، لأنّ الأصنام ليست فقط من حجارة بل هي كلّ فكرٍ متحجِّر على نفسه في شهواته وميوله وكبريائه وأنانيّته.

*              *              *

ليس الإيمان موضوع أفكار واعتقادات وفرائض بل هو علاقة حقيقيّة وعِشْرَة مع إلهٍ حيّ. يقول النّبيّ إلياس الغيّور: “حَيٌّ هُوَ الرَّبُّ إِلهُ إِسْرَائِيلَ الَّذِي وَقَفْتُ أَمَامَهُ” (١ ملوك ١٧: ١). يوجد خبرة علاقة مع إله موجود شخصيّ يتعاطى مع الإنسان في دقائق حياته. الله ليس إله عموميّات، في تواصله معنا، بل يرافقنا في تفاصيل حياتنا كلّها، لأنّه محبّة. لذلك، ليس الله قاضيًا ينتظرنا أن نخالف وصاياه ليعاقبنا، كما يظنّ معظم النّاس، على العكس الوصايا الإلهيّة هي عربون محبّة الله لنا، لأنّها الطّريق الّتي تقودنا إلى الحياة الحقيقيّة والفرح الأبديّ. ينظر النّاس، عامّةً، إلى الإيمان من منظار أَعْيُنِ إله قاسٍ وشرِّير لأنّهم هم كذلك. لا يعرفونه لأنّهم لا يعرفون المحبّة. ينسبون إلى الله ما يناسبهم لكيما يحقِّقوا تسلُّطهم على بعضهم البعض. هكذا يتعاطى الإيمان الّذين لا يُصَلُّون في الحقّ. يتكلّمون على المحبَّة وهم يتصرّفون عكسها. يتحدَّثون على العطاء وهم يطلبون أجرًا. يتكلَّمون على التّواضع وهم لا يَرَوْن أحدًا أَفْهَم منهم. يخبرون عن قوَّة الله وعجائبه وهم يعيشون كأنّ قوّتهم من ذاتهم وأموالهم.

*              *              *

القلَّة فقط، حتَّى لا أقول النُّدْرَة، يعرفون ذواتهم على حقيقتها ويعرفون الله بالتّالي. هؤلاء يعيشون غرباء عن هذا العالم لأنّ فكرهم هو “فكر المسيح” وليس فكر أهل الدُّنيا. المؤمن في هذه الدُّنيا له منطق مختلف ونظرة أُخرى في مسائل الحياة والموت والخير والشّرّ والوجود والعدم، فكلّ ما يعمله يصنعه أمام الله، وكلّ ما يفكّر به يُسلِّط عليه نور حكمة الله، هو لا يتحرَّك أيّة حركة من دون أن يسلّم حياته للبارئ. هو يعتقد بأنّ وجوده كلّه مستمدٌّ من مشيئة الله ومحبّته، لذلك فهو ممتدٌّ بكلّ كيانه ومن أعماق قلبه نحو عيش مشيئة الله حبًّا عبر الاتِّحاد بالكلمة الّتي تصير طعامه وحاجته الجوهريّة…

ما أكثر الّذين يمكنهم أن يكلِّموك على الإيمان الحقّ وما أندرهم الّذين ترى الإيمان منطوقًا فيهم ومرسومًا على وجوههم وفي حياتهم. “صار الإله إنسانًا ليصير الإنسان إلهًا”، انسكب الرّوح القدس علينا ليصير المسيح فينا ونصير فيه كلمة منه مُرسَلَة للشّهادة للخلاص المحقَّق فيه وبه…

ومن أراد أن يَقْبَلَ فلْيقبلْ…

+ أنطونيوس

مـتروبوليــت زحلة وبعلبك وتوابعهـما

مواضيع ذات صلة