نشرة كنيستي- الأحد (1) بعد الفصح (توما الرَّسول)- العدد 19
09 أيَّار 2021
كلمة الرَّاعي
يا توما لا تكن غير مؤمن…
توما الرّسول أعاد الرَّبُّ خلقه بحنان عتابه له حين دعاه قائلًا: ”هَاتِ إِصْبِعَكَ إِلَى هُنَا وَأَبْصِرْ يَدَيَّ، وَهَاتِ يَدَكَ وَضَعْهَا فِي جَنْبِي، وَلاَ تَكُنْ غَيْرَ مُؤْمِنٍ بَلْ مُؤْمِنًا“ (يوحنّا 20: 27). الكثيرون اليوم يقولون: ”أنا لن أؤمن قبل أن يُظهِر لي الرّبّ ذاته…“، هذا يُعتَبر تحقيقًا علميًّا عن حقيقة وجود الله وكينونته. توما لم يكن ملحدًا ولا شكَّاكًا، بالحقيقة، كان إنسانًا يطلب أن يدخل إلى الأعماق من خلال جسَّ الظَّواهِر والملموسات، كان يريد أن يفهم ويُدرِك ويعرف من خلال حواسه ما هو أبعد منها أي ما يتعلَّق بسرّ الله وسرّ الإنسان وسرّ الحياة والموت…
كلّ منّا قد يكون في داخله توما، ولكن قد يُسَطِّح الإنسان ”التّوماويَّة“ الّتي فيه حين ينحرف نحو الإلحاد أي حين يرفض أن يلمس ويعاين بعينَي القلب ويتمسَّك فقط بحواسه الخارجيَّة معتبرًا إيّاها المقياس الوحيد للمعرفة والاختبار، محجِّمًا بذلك حقيقته الإنسانيّة الّتي أساسها صورة الله الّتي فينا والّتي خُلِقنا عليها…
* * *
من يقدر أن يتصوَّر أنَّ إنسانًا عُذِّب ومات أشنع ميتة يمكن أن يقوم من الموت بطبيعة مُجَدَّدة غير خاضعة لمقاييس الزمان والمكان والحاجة؟!… قيامة الرَّبّ يسوع، لمن يقبلها، هي عطيَّة الفرح الأبديّ والغلبة على كلّ خوف. إذا كنت سأقوم من بين الأموات إلى حياة لا تفنى حيث لا أكون خاضعًا، فيما بعد، لمقاييس هذا الدّهر ومحدوديّته، وحيث لا يوجد حاجة سوى إلى واحد وهذه الحاجة مُعطاة بفيض لا ينتهي، وحيث لا هموم ولا ضيقات ولا خطيئة ولا ألم ولا حزن بل سلام وراحة وفرح بالوحدة والشّركة مع الله ومع البشريّة… إذا كان هذا إيماني وهذا رجائي اليقينيّ فما الَّذي يمكن أن يهمّني في هذا العالم سوى أن أعمل كلّ ما بوسعي هنا لأقتني هذه الحياة المُعطاة لي في المسيح القائم من بين الأموات؟!…
قد يظنّ النّاس هذا الكلام هذيانًا أو حلمًا لا يمكن تحقيقه، لكن هذه هي حقيقة إيماننا بالقائم من بين الأموات، وهذه هي التَّحدِّيات الَّتي واجهها توما حين قال له إخوته الرسل: ”قَدْ رَأَيْنَا الرَّبَّ!“ (يو 20: 25). لذلك، يقول إشعياء النّبيّ: ”مَنْ صَدَّقَ خَبَرَنَا، وَلِمَنِ اسْتُعْلِنَتْ ذِرَاعُ الرَّبِّ؟“ (53: 1).
* * *
الإنسان، في هذه الحياة، يبقى تائهًا حائرًا لا يعرف أين يذهب وماذا يريد طالما هو يعتبر أنّ حياته تنتهي في هذا العالم مع فناء جسده. من هنا أهمّيّة شهادة توما وما حصل بينه وبين الرَّبّ، إذ صار هذا لأجل تثبيتنا في إيماننا بالقيامة، وبالتالي إدخالنا إلى الحياة الجديدة في المسيح من خلال الاشتراك معه بشبه موته لنقوم معه على شبه قيامته (راجع رومية 6). توما تنبَّأ، قبلًا، بما لم يكن هو مدركًا له حين قال للتّلاميذ، في صعود الرَّبّ إلى أورشليم ليقيم لعازر من بين الأموات: ”لنذهبنحنأيضًالكيّنموتمعه“ (يوحنّا 11: 16). من لا يموت مع يسوع لا يحيا معه. أي من
لا يموت عن العالم أي يرفض طاعة العالم وأسياده وشهواته ومصالحه وأفكاره ومن لا يحارب العالم ومنطقه ورئاساته لايستطيع أن يكون للمسيح، لأنّ الرَّبّ أوضح لنا ذلك بقوله: ”إِنْ كَانَ الْعَالَمُ يُبْغِضُكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّهُ قَدْ أَبْغَضَنِي قَبْلَكُمْ. لَوْ كُنْتُمْ مِنَ الْعَالَمِ لَكَانَ الْعَالَمُ يُحِبُّ خَاصَّتَهُ. وَلكِنْ لأَنَّكُمْ لَسْتُمْ مِنَ الْعَالَمِ، بَلْ أَنَا اخْتَرْتُكُمْ مِنَ الْعَالَمِ، لِذلِكَ يُبْغِضُكُمُ الْعَالَمُ“ (يو 15: 18—19). لا مهادنة بين المسيح ومن له مع العالم. علينا أن نحارب ميولنا إلى العالم وانسياقنا وراءه في دواخلنا أوَّلًا حتّى نستطيع أن نحاربه خارجًا عنّا. الرَّبُّ صريح وواضح: ”مَنْ لَيْسَ مَعِي فَهُوَ عَلَيَّ، وَمَنْ لاَ يَجْمَعُ مَعِي فَهُوَ يُفَرِّقُ“ (متّى 12: 30).
* * *
أيّها الأحبّة، توما الرّسول صار لنا دليلًا حيًّا وشاهدًا أمينًا على قيامة الرّبّ يسوع المسيح يقينًا.
القيامة هي حقيقتنا الأبديَّة وغاية وجودنا وجهادنا في هذا العمر. من لا يقبل نفسه في ضعفها ويقرّ به وينطلق منه في طلب العون الإلهيّ بالنّعمة لا يستطيع أن يدرك ماهيّة القيامة المختَبَرة في حياته اليوميّة بالتّوبة والاستغفار وطلب المسامحة وتقويم الفكر والسّيرة، ولا يقدر أن يفهم معنى قبول الآخَر ومسامحته والغفران له وحمله في ضعفه بطاعة الوصيّة في نعمة الرّوح القدس.
لا يفقه القيامة من لم يفهم أنّ الرَّبّ يسوع تألّم لأجله هو بالذات وحمل نتيجة خطاياه هو على الصَّليب وأهين بسببه، ولكنّه قَبِلَ هذا كلّه لأنّه يحبّه ولأنّه يريد له ”حياة أفضل“ (يو 10: 10).
من لم يدخل في هذه العلاقة الخاصّة مع الرّبّ يسوع المسيح ويعرف أنّه قد دفع دمه (أي الرَّبّ) ثمنًا لخلاص وحرّيّة وقيامة الإنسان الشّخص، فهو لا يمكنه فهم معنى قيامة الرّبّ ولا ارتباطها بحياته ولا الطّريق في الحقّ إلى الحياة الأبديَّة…
ومن له أذنان للسّمع فليسمع…
+ أنطونيوس
مـتروبوليــت زحلة وبعلبك وتوابعهـما