Menu Close

نشرة كنيستي- الأحد (1) بعد العنصرة (جميع القدِّيسين)- العدد 26

27 حزيران 2021

كلمة الرَّاعي

هامتا الرُّسل

عيد الكرسيّ الأنطاكيّ المقدَّس 

إنّ عيد القدّيسَيْن بطرس وبولس هو واحدٌ من أقدم احتفالات السّنة اللّيتورجيّة. وبناءً على الرّوايات التّاريخيّة والتّقليد الكَنَسيّ فأنّ القدّيس بطرس قد استشهد “مصلوبًا” حوالى العام 64 للميلاد على تلّة فاتيكانوس (Vaticanus) وهي إحدى التّلال السّبعة لمدينة روما القديمة، ومنها جاء اسم الفاتيكان، حيث بُنيت كاتدرائيّة على اسم “القدّيس بطرس”. أمّا القدّيس بولس الرّسول فقد استشهد بقطع رأسه في العام 67 م. في المنطقة الّتي تُسمّى الينابيع الثّلاثة خارج أسوار المدينة.

تاريخيّة حقيقة استشهاد الرَّسولَيْن مع أعداد كبيرة من المسيحيّين، يؤكِّدها ما يذكره المؤرّخ الوثنيّ تاكيتوس (Tacitus)، بأنّ “عددًا كبيرًا” من المسيحيّين لقوا حتفهم في الاضطهاد بعد الحريق الكبير في روما على عهد الامبراطور نيرون. لكنّ،  استشهاد الرسولَين لم يكن في 29 حزيران، بل يبدو أنّه كان “تعميدًا” لاحتفال أهل رومة برومولوس وريموس، المؤسّسين الأسطوريّين لمدينة رومة الخالدة. الكنيسة اعتبرت هامَتَيْ الرُّسُل بطرس وبولس المؤسّسين لروما المسيحيّة. وتُشير العديد من التّرانيم القديمة على اعتبارهما “عمودَي الكنيسة” و”والدَي روما” بالكلمة والدّم أي بالتّبشير وبالاستشهاد.

*          *          *

أقام الرَّسولان بولس وبرنابا كرسيّ أنطاكية سنة 42 م.، إلّا أنّ القدّيس بطرس الرّسول جلس عليه كأوّل أسقف على أنطاكية لمدّة ثمانية سنوات من عام 45 إلى 53 م..

بعد ذلك انطلق يؤسِّس كنائس أخرى. انطلاقًا ممّا سبق ذكره، تؤكِّد الدّراسات التّاريخيّة والكنسيّة بأنّ الرّسول بطرس أسَّس الكرسيّ الأنطاكيّ ووطّده بمشاركة بولس وبرنابا. أوّل أسقف بعد بطرس الرّسول كان أفوديوس.

ولَقَبُ “بطريرك” أُطلِق على بطرس كون المسيحيّة الأنطاكيّة انتشرت، أوَّلا، بين اليهود وثانيًا بين الأمم، ولقب “بطريرك” مُستَعمل عند اليهود كونه يعني زعيم العشيرة كما إبراهيم واسحق ويعقوب. لاحقًا، أكَّد مجمع خلقدونية المُنعقد سنة 451 م. على أنّ لقب أسقف أنطاكية هو “بطريرك” دون سائر الكراسي كرومة والقسطنطينيّة والإسكندريّة وأورشليم.

ومن أنطاكية انطلق بطرس وبولس وبرنابا في رحلاتهم التّبشيريّة، وهكذا أسَّس أيضًا بطرس وبولس لاحقًا كرسيّ رومة.

كان لأسقف (“بطريرك”) أنطاكية، منذ القرون الأولى للمسيحيّة، تقدّمًا على سائر أساقفة الشّرق وهذا ما أقرّه المجمع المسكونيّ الأوّل المنعقد في نيقية سنة 325 م. وقد ثبَّت المجمع المسكونيّ الثّاني (القسطنطينيّة سنة 381 م.) هذه الرّئاسة.

*          *          *

أيُّها الأحبَّاء، إنّها لبركة كبرى ومسؤوليّة عظيمة أنّنا ننتمي إلى كرسيّ أنطاكية وسائر المشرق، كون تلاميذ المسيح دُعوا أوَّلًا “مسيحيِّين” في أنطاكية.  والكرسيّ الأنطاكيّ هو أوّل كرسيّ رسوليّ أسّسه بطرس وبولس، قبل رومة. ولكنيسة أنطاكية عبر التّاريخ دور رائد وجوهريّ في العالم المسيحيّ. عاشت كنيسة أنطاكية أزمنة الاضطهاد وأزمنة السّلام، وفي كليْهما أغنت الكنيسة قاطبة في اللّاهوت واللّيتورجيا والنّسك والشّهادة من خلال القدّيسين العظماء كيوحنّا الذّهبيّ الفم وسمعان العاموديّ ورومانوس المرنّم ويوحنّا الدّمشقيّ وافرام واسحق السّريانيّين والقدّيس يوسف الدّمشقي وغيرهم كثيرين.

شهادة كنيسة أنطاكية هي القداسة الّتي نشرتها وتنشرها وستبقى تنشرها في كلّ العالم عبر كونها كنيسة شهيدة وشاهدة، مُحِبَّة ومنفتحَة، مُتحرِّرَة من كلّ إثنيّة أو عصبيّة قوميّة أو تعصُّب دينيّ مع تمسُّكها بالإيمان القويم “المسلَّم مرّة للقدّيسين” (يهوذا 1: 3).

تحمل كنيسة أنطاكية، اليوم، هذا التّراث الغنيّ وهي تأوّنه وتنقله إلى أبناء زمانها بلغتهم، وهي اليوم صارت مُتواجِدة في كلّ العالم شرقه وغربه، وفي العصر الحديث، أحيت روح النّهضة في العالم الأرثوذكسيّ والمسيحيّ عبر نبش كنوز الأرثوذكسيّة وشهادة المحبّة والخدمة عبر رجالاتها وشعبها، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر المثلَّثي الرَّحمة البطاركة غريغوريوس حدّاد والياس معوّض وأغناطيوس هزيم والمطارنة جورج خضر والمثلّث الرّحمة بولس بندلي والمغيَّب بولس يازجي والمثلّثي الرّحمة الرّاهب الأرشمندريت الياس مرقس والأرشمندريت اسحق عطالله الآثوسيّ والشّمّاس اسبيرو جبّور والأم سلام قدسيّة والأم أنطونينا الياس والمرحومين ألبير لحام وكوستي بندلي وغابي سعادة والمرتلين السّابق رقادهم ايليّا الرّومي ومتري المرّ ومتري كوتيّا وأندراوس معيقل… وغيرهم ممّن يضيق بنا الوقت لذكرهم في هذه العجالة.

كنيسة أنطاكية هي سليلة بطرس وبولس وأرض الشّهادة للمسيح في العالم أجمع، هذه رسالتها وهذا دورها وهذا تجلّيها في الرَّبّ.

بهذه المناسبة، لا بدّ لي أن أعايد صاحب الغبطة أبينا وراعي رعاتنا البطريرك يوحنّا العاشر (يازجي) الكلّيّ الطّوبى والجزيل الاحترام، مع السّادة المطارنة أعضاء المجمع الأنطاكيّ المقدّس والسّادة الأساقفة الجزيلي الاحترام، مع كلّ الإكليروس الأجلاء والشّعب الحسن العبادة المحبّ المسيحن راجيًا الثّالوث القدُّوس أن تبقى كنيسة أنطاكية العظمى منارة للحقّ في العالم ورباط وحدة بين سائر الكنائس…

ألا جعلنا الرّبّ مستحقّين لأنّ نُدعى على اسمه “مسيحيِّين” في كلّ حين…

كلّ عام وأنتم ثابتون في محبّة المسيح وطاعته لمجد الثّالوث الأقدس.

+ أنطونيوس

مـتروبوليــت زحلة وبعلبك وتوابعهـما

مواضيع ذات صلة