نشرة كنيستي- الأحد (14) بعد العنصرة- العدد 39
26 أيلول 2021
كلمة الرَّاعي
ما بين الفضائل والأخلاق
”كما تُرِيدُونَ أنْ يَفْعَلَ النَّاسُ بكم،
كذلك افْعَلُوا أنتُم بهم“ (لو 6: 31)
يخلط النّاس ما بين الفضائل والأخلاق، لأنّ الأخلاق من الفضائل لكنّ الفضائل من الله وهي من نعمة روح الله في الإنسان. الفضيلة هي ثمرة الرّوح القدس، هي من صفات الله ولذلك هي من القوى الإلهيّة غير المخلوقة الَّتي يهبها الرّبّ للإنسان حين يسكب عليه روحه القدّوس.
الإنسان المسيحيّ مدعوّ لاقتناء الفضائل، أي للتّشبّه بالله في المعموديّة يلبس المُعمَّد المسيح أي يستعيد صورة الله النّقيّة فيه، وفي الميرون يقتني نعمة الرّوح القدس أي هو يصير إنسانًا حيًّا على صورة الله ومثاله. في المعموديّة والميرون يتألّه الإنسان أي صير ابنًا لله وابنًا ووارثًا لملكوته، وفي المناولة الإلهيَّة يغتذي من طعام الملكوت أي الله نفسه. هكذا يصير الإنسان مسيحًا صغيرًا مدعوًّا للنّموّ إلى ”قِيَاسِ قَامَةِ مِلْءِ الْمَسِيحِ“ (أف 4: 13).
* * *
المؤمن المسيحيّ تسكنه نعمة الرّوح القدس، ولكن هذه النّعمة لا تفعل إلّا بالتّآزر مع مشيئة الإنسان وفعله الإراديّ. الكثيرون منّا لا يعرفون كيف يستثمرون هذه النّعمة أو هذا الكنز الإلهيّ القابع في أعماق قبلنا وكياننا، لأنّ الإنسان مع نموّه الجسديّ والنّفسيّ السّريع ينمو روحيًّا بسرعة أقلّ أو أكثر حسب البيئة الّتي هو فيها، أي بحسب واقع أهله الإيمانيّ ومدى التزامهم ومعرفتهم لله بالحقيقة، بالإضافة إلى البيئات العائليّة والكنسيّة والمجتمعية والمدرسيّة الَّتي يكبُر ويحيا فيها.
يُكرِّر كلّ إنسان في ذاته السّقطة الأولى لآدم وحوّاء، في خلال حياته، وبخاصّة لأنّه يتربّى في عالم ساقط، بشكل عامّ، ومع أناس ميّالين للشّرّ بالاجمال، كما يقول كاتب سفر التّكوين المُلهَم (راجع تك 6: 1—6). لكن، المسيح أتى وولدنا من جديد فيه ”خليقة جديدة“ (2 كو 5: 17)، أي هو وهبنا إنسانيّة جديدة بحسبه هو. لكن على المسيحي أن يسلك في طريق الحياة الجديدة هذه بصلب إنسانه العتيق أي بإماتته من خلال رفض ما يعرضه عليه العالم الاستهلاكيّ من مغريات وشهوات وأوهام سعادة كاذبة، ليست هي سوى طعام الموت والفناء بالنّسبة للإنسان لأنّه ليس فيها سوى الفراغ والوِحدة.
* * *
الإنسان بعيدًا عن الله يعيش وحيدًا داخل قوقعة نفسه الّتي يُحصِّن نفسه فيها خوفًا من الآخَر. فالآخَر هو مصدر الأوجاع بالنّسبة للإنسان الَّذي لم يعرف الله المحبَّة. هذا ما يقوله الفلاسفة، في عصر التّنوير وما بعده. وقد حدّد المؤرّخون الفرنسيّون بداية عصر التّنوير بالفترة ما بين وفاة لويس الرّابع عشر في فرنسا في عام 1715 واندلاع الثّورة الفرنسيّة في عام 1789 الّتي أنهت نظام الحكم القديم، بينما يحدّدون نهاية هذا العصر مع بداية القرن التّاسع عشر. واشتمل التّنوير على مجموعة من الأفكار الّتي تركز على سيادة العقل والأدلّة على الحواس بوصفها مصدرًا أساسيًّا للمعرفة، وعلى المثل العليا كالحرّيّة والرُّقيّ والتَّسامُح والإخاء والحكومة الدُّستوريّة وفصل الكنيسة عن الدّولة. وشدَّد التّنوير على المنهج العلميّ وعلى الاختزاليّة فضلًا عن التّشكيك المتزايد بالعقائد الدّينيّة. انطلاقًا من هذه المبادئ الّتي دخلت على الفكر والثّقافة والحضارة، نسمع على سبيل المثال لا الحصر، سارتر (Jean-Paul Sartre – 21 حزيران 1905 باريس – 15 نيسان 1980) يقول “الجحيم هو الآخَر”، أمّا شـــــوبــــنــــهاور (Arthur Schopenhauer – 22 شباط 1788 – 21 أيلول 1860) فيعتبر بأنّ “كل مآسينا، تقريبًا، تــــنــــــبع من صِـــــلاتِنا بالآخَــــرين”، ويــــنــــصَــــــحُ بــــــــيــــــــــــــــــــسوا (Fernando Pessoa – حزيران 1888– 30 ت2 1935) “إن أردتم أن لا تتعذبوا، اعزلوا أنفسكم، أغلقوا قدر المستطاع أبواب أرواحكم عن أنوار رفقة الآخَرين”.
هذا إنْ دَلَّ على شيء فهو يدلّ على أنَّ ما يُسمّى عصر التّنوير وانطلاقة الحضارة الجديدة كانت مبنيّة على الانغلاق الكيانيّ الإنسانيّ على الذّات المُعبَّر عنه بالفردانيّة (Individualism) الّتي صارت أساس حياة الإنسان كما تُبشِّر بها العولمة والدّهريّة. بالحقيقة، هذا المنهج الفلسفيّ الَّذي صار مبدأ حياة النّاس في ”العالم المتحضّر“ ما هو سوى العيش ضدّ الحبّ لأنّ جوهره حبّ الذّات أي الأنا فوق كلّ شيء وقبل أي شيء.
* * *
أيُّها الأحبّاء، القاعدة الذّهبيّة للحياة الّتي علّمنا إيّاها الرّبّ يسوع: ”كما تُرِيدُونَ أنْ يَفْعَلَ النَّاسُ بكم، كذلك افْعَلُوا أنتُم بهم“ هي ترجمة وصيّة محبّة الله ومحبّة القريب. من يُحبّ الله يصنع مشيئته ويطلب الخير والخلاص لنفسه وللآخَرين ولا يصنع مع الآخَر إلا ما يوصيه به الرَّبّ. لذلك، هو يحيا سرّ الحبّ الإلهيّ بالطّاعة وكما يحبذ نفسه ويطلب خلاصها فهو أيضًا يطلب خلاص الآخَرين، وكما يريد من الآخَرين أن يكونوا داعمين لها ومشاركين في دفعه بمسيرة القدّاسة هكذا هو أيضًا يتعاطى معهم ويفكّر بهم. هذه هي ”الفلسفة“ (إذا جاز التّعبير) الحقيقيّة الأنطولوجيَّة لخليقة الله، لأنّها مبنيّة على سرّ ”الله المحبَّة“ الَّذي هو أساس الوجود، والَّذي كُشف لنا في ابنه الوحيد وكلمته المتجسِّد والَّذي بذل نفسه من أجلنا لكي لا يهلك كلّ من يؤمن بالثّالوث. هذه ليست فلسفة تنظيريّة وتحليليّة واستنتاجيَّة بل هي الكشف الإلهيّ والحقيقة المُطلَقة…
ومن استطاع أن يقبل فليقبل…
+ أنطونيوس
مـتروبوليــت زحلة وبعلبك وتوابعهـما