نشرة كنيستي- الأحد (3) بعد العنصرة- العدد 28
11 تمّوز 2021
كلمة الرّاعي
”لتكن مشيئتك…“
”لأَنَّ مَنْ يَصْنَعُ مَشِيئَةَ اللهِ
هُوَ أَخِي وَأُخْتِي وَأُمِّي“ (مر 3: 35)
كثيرًا ما نردِّد هذه الصّلاة، وهي جزء من الصّلاة الرّبّيّة، ولكن هل بالحقيقة نحن مستعدّون لعيشها؟!…
الحياة كلّها ترتبط بمشيئة الإنسان ومصدرها، لأنّ رغبات الإنسان وشهواته وأهوائه، من جهة، وفضائله من جهة أخرى هي ما يُحدِّد وجهة أحكامه وخياراته وهي ما يتحكّم بمشيئته. هذا يرتبط، بمعنى آخر، بمعرفة الإنسان لنفسه.
المؤمن، بالمبدأ، يطلب أن يصنع مشيئة الله، ”مِنْ أَجْلِ ذلِكَ لاَ تَكُونُوا أَغْبِيَاءَ بَلْ فَاهِمِينَ مَا هِيَ مَشِيئَةُ الرَّبِّ“ (أف 5: 17). من يعتبر نفسه مؤمنًا ولا يعرف أو يفهم أو يقبل مشيئة الله، يكون غبيًّا أي هالكًا، ”لِأَنَّ الْكِبْرِياءَ مَبْدَأُ كُلِّ هَلاَكٍ“ (طوبيّا 4: 14). مشيئة الله واضحة وبسيطة وهي أن نتقدَّس (راجع 1 تس 4: 3)، أي أن نصنع مشيئته. مشيئة الله صالحة لا شرّ فيها بل كلّها مملوءة حبًّا وفرحًا وسلامًا وخيرًا. لكن، لنسلك في هذه المشيئة علينا أن نُحارب فينا كلّ ما يبعدنا عن وصاياه، أي كلّ ما يجعلنا نرفض محبته ومحبة الإخوة…
* * *
الله يريدنا له، هو خلقنا لنكون معه بإزائه لأنّه يحبّنا، وهكذا يريدنا أن نحيا هذا الحبّ مع الإخوة لتصير الكنيسة الَّتي هي جسده، وليصير هيكله الَّذي هو الإنسان، مطرح تجلّي مجده بالحبّ والحنان والبذل لأجل خلاص البشريّة والخليقة. في المسيح وبه جَعَلَنَا اللهُ الآبُ أبناءَ له بروحه القدّوس الَّذي سكبه علينا. نحن قادرون أن نتمِّم مشيئة الله أي وصيّته الَّتي هي حياة أبديّة وقيامة حقيقيَّة لإنساننا الدّاخليّ باستنارة الرّوح في نور الكلمة الإلهيَّة.
الإنسان المؤمن يصارع ذاته أي يحارب مشيئته الخاصَّة حين يراها مَسُوقة من هوًى أو شهوة أو خطيئة. هو لا يعرف نفسه بالكلّيّة بعد، بل في مسيرة سعيه لطاعة الوصيّة الإلهيّة ومن خلال صراعه مع أفكاره، المتأتِّية من كوامن نفسه وقلبه الدّاخليَّة الَّتي هو يجهلها، يبدأ باكتشاف حقيقة سقوطه أي رفضه لصنع مشيئة الله، لأنّ مشيئة الله هي الَّتي تُعرِّف الإنسان بحقيقته الصّالحة الَّتي هي صورة الرّبّ فيه. كلّما تمسَّك الإنسان بإرادته في مقابل طاعة الوصيّة كلّما كان استكباره قويًّا فيه. إذا لم ينكسر الكبرياء لا ينمو إِنْسَان ”الْقَلْبِ الْخَفِيَّ فِي الْعَدِيمَةِ الْفَسَادِ، زِينَةَ الرُّوحِ الْوَدِيعِ الْهَادِئِ، الَّذِي هُوَ قُدَّامَ اللهِ كَثِيرُ الثَّمَنِ“ (1 بط 3: 4).
* * *
الرّبّ الإله منحنا في ابنه المتجسّد أن نصير له ورثة، عبر تشبّهنا بيسوع المسيح من خلال طاعة مشيئة الآب، بعد أن نكون قد اتّحدنا بيسوع من خلال المعموديّة المقدَّسة على اسم الثّالوث القدُّوس واقتنينا روح المسيح بالميرون المقدَّس. الإنسان في المسيح صار روحيًّا أي سالكًا بروح الله، أو هكذا أُعطي له أن يكون. السّؤال المطروح على المؤمن هو: هل تريد أن تكون للمسيح بالكلّيّة؟ !… أنت مُنِحْتَ أن تَلْبَسَ المسيح وتقتني روح الرّبّ، فهل أنت راغب أن تتمّم مشيئته في كل حين وعلى كلّ حال؟!…
السؤال المطروح جوهريّ ومصيريّ، والجواب عليه يُحدِّد طريق الإنسان وغائيّته (finalité). مشيئة الله تتعارض مع مشيئة العالم، ومحبّة الله تتناقض مع محبّة العالم، كما يقول يعقوب الرّسول أخو الرّبّ: ”أَمَا تَعْلَمُونَ أَنَّ مَحَبَّةَ الْعَالَمِ عَدَاوَةٌ للهِ؟ فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ مُحِبًّا لِلْعَالَمِ، فَقَدْ صَارَ عَدُوًّا للهِ“ (يع 4: 4).
المؤمن يطلب الحياة الأبديّة، والحياة الأبديّة هي الله. من يطلب الله يطلب ملكوته، ومن يريد أن يكون ابنًا للملكوت يسعى في كلّ حين لإتمام مشيئة الله. الله لا يريد منّا أن نكون عبيدًا فنصنع مشيئته، بل يريدنا أن نكون عائلته وورثته وأبناءه الأحبّاء.
طاعة الله تأتي من صنع مشيئته، وصنع مشيئته يأتي من محبّته، ومحبّته تأتي من حفظ وصيّته، وحفظ وصيّته يهبنا الشّركة في سرّ الوحدة بين الله الثّالوث والإنسان ومعهما بالمسيح في الرّوح القدس.
مشيئة الله أن نحبّه ونحبّ من وما أوجد. نحبّه حين نحبّهم، ونحبّهم حين نحبّه.
دأبنا، كمؤمنين، أن نصنع مشيئة الله في كلّ حين إذا أحببناه، هذه هي حياتنا، هذا وجودنا، هذه حرّيتنا، هذا فرحنا وسلامنا وغلبتنا على الشّرير…
من له أذنان للسمع فليسمع…
+ أنطونيوس
مـتروبوليــت زحلة وبعلبك وتوابعهـما