نشرة كنيستي- الأحد (9) بعد العنصرة- العدد 34
22 آب 2021
كلمة الرَّاعي
كيف نغلب؟!…
”ثِقُوا أنا هو لا تخافُوا“ (متى 14: 27)
تشتدّ الرّياح الّتي تتخبَّطُ بها سفينة حياتنا مع تقادُم الزّمان لأنّ الشّرّ يستفحل عند البشر، والجشع والطّمع ولذّة عبادة المال والسّلطة والشّهوات تتحكّم، بجنونٍ، بأسياد هذا العالم وبالشّعوب قاطبة. الشّيطان يسرح ويمرح والبشر يبتعدون عن الخالق لأنّهم يطلبون العالم وما في العالم ظانّين أنّ لهم في هذه الدّنيا حياة أبديَّة.
غباء الشّهوة ودوارها يحكمان عقول ضعاف النّفوس، الَّذين يطلبون إرضاء ”رئيس هذا العالم“ (يوحنا 12: 31، 14: 30 و16: 11). أبناء إبليس يريدون أن يُحْكِموا قبضتَهم على خليقة الله، ولكن هذا مستحيل بالكلّيّة، لأنّ الرَّبّ يُبقي لنفسه ”سَبْعَةَ آلاَفٍ، كُلَّ الرُّكَبِ الَّتِي لَمْ تَجْثُ لِلْبَعْلِ وَكُلَّ فَمٍ لَمْ يُقَبِّلْهُ“ (1 ملوك 19: 18).
نعم! عبادة الأوثان لم تتوقَّف… معظم النّاس يعبدون أصنامًا من صنع أيديهم وأفكارهم وأهوائهم. هذا مصدر بؤس البشريّة أنَّ ”النُّورَ قَدْ جَاءَ إِلَى الْعَالَمِ، وَأَحَبَّ النَّاسُ الظُّلْمَةَ أَكْثَرَ مِنَ النُّورِ، لأَنَّ أَعْمَالَهُمْ كَانَتْ شِرِّيرَةً“ (يوحنا 3: 19).
* * *
أفكار الإنسان جحيمه، أمّا الفردوس فهو أن يكون قلبه نقيًّا. لا يتنقّى القلب إلا بغسل الكلمة الإلهيّة (راجع أفسس 5: 26).
وما هي كلمة الله إلينا؟!… ”اسْلُكُوا فِي الْمَحَبَّةِ كَمَا أَحَبَّنَا الْمَسِيحُ أَيْضًا وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِنَا، قُرْبَانًا وَذَبِيحَةً للهِ رَائِحَةً طَيِّبَةً“ (أف 5: 2). عبثًا يبحث الإنسان عن اطمئنان وأمان في أمواج وأعاصير هذا العالم الهائجة، لأنّ القادر أن يسكتها ويهدِّئَها واحد وهو الرَّبّ القدير (راجع: مزامير 93: 4؛ حكمة 14: 1؛ يشوع بن سيراخ 24: 8 و29: 4؛ أرمياء 31: 35 إلخ.) الرَّبّ يغلب اضطرابات بحر أفكار قلوبنا حين نسلمه حياتنا مصدِّقين كلمته، الّتي قالها لتلاميذه في إتيانه ماشيا إليهم على وجه البحر، ”ثِقُوا أنا هو لا تخافُوا“ (مت 14: 27).
من غَلَبَتْ فيه محبّة الله يحبّ الإنسان ويبذل ذاته لأجله، يحبّ وطنه ويضحّي لأجله، يحبّ الحقّ ويواجه الدّنيا كلّها لأجله. لذلك، غَلَبَةُ الله في المؤمنين يجب أن تُتَرْجَمَ في شهادتهم كجماعة من خلال تعاضدهم في الضّيقات ومشاركتهم الخيرات لكي لا يكون فيما بينهم محتاجًا، إلّا من كان يريد أن يعيش في البطالة، إذ يقول الرّسول أنّ من لا يعمل لا يأكل، فالكسل ليس مبرَّرًا، ولكنّ البخل أيضًا ممجوج ومكروه من الله والعباد.
* * *
”ليس كلّ ما يلمع ذهبًا“، هكذا يقول المثل، لذلك، تخدع الشّهوات الإنسان وتغريه بأوهام سعادة غير موجودة، ومخدوع من يظنّ أن الشّرير يغلب وينتصر إلى الأبد يُخطئ، لأنّه ”كَعُبُورِ الزَّوْبَعَةِ فَلاَ يَكُونُ الشِّرِّيرُ، أَمَّا الصِّدِّيقُ فَأَسَاسٌ مُؤَبَّدٌ“ (أمثال 10: 25).
المؤمن يواجه الصّعاب بقوّة إيمانه ولأنّه يعرف أنّ الله لا يتركه أبدًا بل هو يعينه حين يطلب إليه ويثبت في الاتّكال عليه، هذا من ناحية، ولأن المؤمنين في المسيح جسد واحد ويعيشون كأعضاء بعضهم لبعض فيسندون واحدهم الآخَر لأنّهم جسد المسيح أي الكنيسة، والكنيسة بهذا المعنى تسند أبناءها حتّى المنتهى.
* * *
أيُّها الأحبّاء، لا نخافنّ الضّيقات والشّدائد، بل فَلْنَثْبُتْ في رجاء الإيمان، لأنّ الكتاب يقول صراحة ”أَنَّ كُلَّ مَنْ وُلِدَ مِنَ اللهِ يَغْلِبُ الْعَالَمَ. وَهذِهِ هِيَ الْغَلَبَةُ الَّتِي تَغْلِبُ الْعَالَمَ: إِيمَانُنَا“ (1 يوحنا 5: 4). وكما أتى الرّبّ يسوع المسيح ماشيًا على البحر الهائج الأمواج وسكّن الرّياح المضادّة لسفينة الرّسل، أي الكنيسة، هكذا هو يأتي ولا يُبطئ لأنّه أمين أن يخلِّص محبّيه من الشّـرّير والخطيئة والموت الأبديّ، وهو قادر أن يهدّئَ بحر حياتنا المالح ويوصل سفينة حياتنا إلى الميناء الآمن.
الزّمن يمرّ والشّدائد تعبر والأشرار يبيدون والرّبّ يبقى ومتّقونه يثبتون معه إلى الأبد. فَلْنَبْنِ سلامَنا واستقرَارنا على إيمانِنا، ولْنَعْلَمْ أنّ الرّبَّ لا يترك محبّيه، أمّا من لا ثقة له بالرّبّ فهو يتّكل على ما لا أمان فيه، وهو كَمَنْ بنى بيت حياته على الرّمل، فالرّياح والمياه تجرفه وتخربه. أمّا المتّكل على الرّبّ فلا يخزى، والرَّبّ يصون حياته، لكن عليه أن يقبل بالضّيقات لأجل الأمانة للرّبّ، وفي النّهاية، لكلّ تجربة نهاية ومخرج، ”وَلكِنِ الَّذِي يَصْبِرُ إِلَى الْمُنْتَهَى فَهذَا يَخْلُصُ“ (مت 10: 22، 24: 13 ومر 13: 13).
ها نحن في زمن تتخبّط فيها سفينة بلدنا بأمواج عاتية وأرواح شرّ واتباعها، ”وَلكِنْ لأَجْلِ الْمُخْتَارِينَ تُقَصَّرُ تِلْكَ الأَيَّامُ“ (مت 24: 22)…
+ أنطونيوس
مـتروبوليــت زحلة وبعلبك وتوابعهـما