Menu Close

نشرة كنيستي- أحد الفصح المجيد- العدد 18

02 أيَّار 2021

كلمة الرَّاعي

قُمْ يا اللهُ واحْكُمْ في الأرض

”مِنِ اغْتِصَابِ الْمَسَاكِينِ، مِنْ صَرْخَةِ الْبَائِسِينَ، الآنَ أَقُومُ، يَقُولُ الرَّبُّ، أَصْنَعُ الخَلاصَ وَاَسْتَعْلِنُ بِهُ“ (مز 12: 5)

دَوَّى، اليوم، هتاف المؤمنين ”المسيح قام! حقًّا قام!“، اعترافًا بقيامة الرّبّ يسوع المسيح بالجسد من بين الأموات افتتاحًا لملكوت السّماوات الَّذي سيحيا فيه البشر بالجسد والرّوح. يسوع هو أوّل إنسان قام بالجسد لحياة أبديَّة، وصار باكورة للبشريّة الجديدة الغالبة الموت غلبة نهائيَّة. فيه دَخَلَتِ البشريّة ”عهدًا جديدًا“ مع الله، عهدًا أقامه الله بينه وبين البشر، بدم ابنه الوحيد الإله المتأنِّس، لأنّه إله المحبَّة والحنان ونبع الحياة.

البشريَّة عاشت في الألم وخوف الموت، منذ آدم الأوّل، ومن لم يعرف المسيح يبقى خاضِعًا للخوف، لأنّ المحبَّة وحدها ”تطرد الخوف خارجًا“ (1 يوحنّا 4: 18) عن قلب الإنسان وكيانه ووجوده. البشر يحيون انطلاقًا من ماساة خوفهم من الموت، ولهذا يصير الآخَر تهديدًا لكياني ووجودي وتحقيقي لحياتي وأهدافي. من لم يدخل في سرّ المحبَّة الّتي بالمسيح وفيه يبقى الآخَر له عذولًا وعدوًّا، أمّا من عرف الرّبّ فيصير له الآخَر ودودًا وصديقًا. هذه النّقلة من الخوف إلى الطُمَأنينة لا يمكن أن تصير في الكيان بدون موت وقيامة، أي بغير تَحَرُّرٍ من مصدر الخوف واقتناء لمنبع الطّمأنينة. لذلك، فقط، في المسيح القائم من بين الأموات يستطيع الإنسان العبور إلى حياة جديدة ملؤها الحبّ والرّاحة والسّلام والفرح، لأنّه بدون موت الخوف وإبادة العداوة بين البشر ومصالحة الإنسان مع نفسه ومع الله ومع الخليقة لا ولادة للبشريّة الجديدة المتألِّهة أي الَّتي اتَّحدَت بمصدر الحياة واقتنت روح الرَّبّ ساكنًا فيها وواهبًا إيَّاها صفات الله…

*          *          *

قيامة الرّبّ يسوع المسيح من بين الأموات، بذات سلطانه، هي فصحنا نحو أرض الميعاد – ملكوت السّماوات، وهي تاليًا عبورنا إلى حياة متناقضة مع حياة هذا الدَّهر. المسيحيّ لا يقدر أن يكون ظالمًا وحسودًا وغيورًا ومستكبرًا وأنانيًّا… ومن سلك بحسب مفاهيم هذا العالم السَّاقط يبقى في سقوطه ولا يكون له فصح الرّبّ خلاصًا بل دينونة، لأنّه ما زال في خطاياه (راجع: 1 كورنثوس 15: 17) إذ بالنّسبة له المسيح لم يقم!…

المسيحيّ هو من يَحكُمُ الله فيه وهو من يُحْكَمُ بوصيّة الله ويَحكُمُ بها أي هي تحيا فيه وتتجسَّدُ به وهو فيها وبها. لا يمكن للمسيحيّ أن يكون صامتًا عن الظُّلم لئلَّا يصير محسوبًا ضدَّ الله. القيامة نور للقلب والفكر ولا تشوبها ظلمة، ومن كان فكره مظلمًا لم يقم بعد بل ما زال في خطاياه.

ليست قيامة الرّبّ يسوع حدثًا تاريخيًّا نستذكره أو نستحضره، بل هي مصدر حياتنا كمسيحيّين، لأنّنا بدون قيامة الرَّبّ لا وجود لنا ولا معنًى. ومن لم يعرف خبرة القيامة بالتّوبة يبقى في قساوة قلبه وفي إلحاده ولو كان يظنّ نفسه مؤمنًا، لأنَّ ابن القيامة هو من تغيَّرت حياته بتجديد ذهنه فقدَّمها ”ذَبِيحَةً حَيَّةً مُقَدَّسَةً مَرْضِيَّةً عِنْدَ اللهِ …“ (رومية 12: 1 و2) إذ اختبر ما هي مشيئة الله الصّالحة الكاملة والمَرْضِيَّة حين سلك في حياته عابدًا لله أي مسبِّحًا له بنغمات طاعة الوصيَّة الَّتي كشفت له أنّه لم يعد من هذا العالم (راجع: يوحنّا 15: 19).

*          *          *

أيُّها الأحبَّاء، حين نهتف ونصرخ فرحين بقيامة المسيح، ومرتّلين ترنيمة الظّفر لا نحتفل عالميًّا ولا اجتماعيًّا بهذا العيد، بل نعيِّد وجوديًّا وكيانيًّا لاغتباطنا بالحرّيّة الَّتي ”حرَّرنا بها المسيح“ (غلاطية 5: 1) إذ لم نعد بإزاء الله عبيدًا بل أبناء، وبإزاء بعضنا البعض أعداء بل أحبَّاء. المسألة تتعلَّق بالخليقة الجديدة، الَّتي إمَّا أن نكونها أو لا نكون… لا مطرح للمُساومات وللمقايضات وللتّنازلات. أنت مع المسيح وله أو أنت ضدّه. من تمسَّك بهذا العالم الَّذي هو         ”شَهْوَةَ الْجَسَدِ، وَشَهْوَةَ الْعُيُونِ، وَتَعَظُّمَ الْمَعِيشَةِ“ (1 يوحنا 2: 16) يرفض الاعتراف بالقيامة، ومن تشُدّه الخطيئة أكثر من الوصيَّة يحبّ الموت الَّذي فيه (راجع: أمثال 8: 36)، والَّذي ”يُحِبُّ نَفْسَهُ يُهْلِكُهَا، وَمَنْ يُبْغِضُ نَفْسَهُ فِي هذَا الْعَالَمِ يَحْفَظُهَا إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ“ (يوحنّا 12: 25).

هذا زمن التّغيير الجذريّ في حياتنا. أُعطينا بقيامة الرّبّ بذرة الحياة الجديدة فينا. من سقاها بطاعة الوصيّة ونقّى أرضها بصلاته واستمطر عليها غيث السّماء يصير مسكنًا لروح الله، و ”سَمَاءً جَدِيدَةً وَأَرْضًا جَدِيدَةً“ (رؤيا 21: 1)…

”مَنْ يَغْلِبْ يَرِثْ كُلَّ شَيْءٍ، وَأَكُونُ لَهُ إِلهًا وَهُوَ يَكُونُ لِيَ ابْنًا“ (رؤ 21: 7) …

+ أنطونيوس

مـتروبوليــت زحلة وبعلبك وتوابعهـما

مواضيع ذات صلة