نشرة كنيستي- الأحد (17) من متّى (الكنعانيَّة)- العدد 7
14 شباط 2021
كلمة الرَّاعي
قدسيَّة الإنسان: الجسد والرُّوح
”أنتم هيكَلُ الله الحَيِّ“ (2 كورنثوس 6: 16)
نعيش في زمن يُشيَّئُ فيه الإنسان ويُستَعمل لمصالح السّياسات الاستهلاكيَّة العالميَّة، الَّـتـي باتت فلسفة وجوديَّة تُحدِّد ماهيَّة الإنسان وقيمته إزاء العرض والطّلب والحاجة والمنفعة. الكلام كثير عن الإنسان وحقوقه، ولكن قيمة الإنسان إلى تهاوٍ مطّرد يومًا بعد يوم بسبب السّياسات الإعلاميّة والإعلانيَّة ومخطّطات الدّول الكبيرة، الَّتي ترى في الإنسان رقمًا لا أكثر ولا أقلّ.
الإنسان المعاصِر، بإِسم الحضارة والتَّطوَّر والحداثة يتقهقهر إيمانيًّا وإنسانيًّا، انطلاقًا من مبدأ الحرّيّة المطلَقَة المبنيَّة على الفردانيَّة الَّذي يُروِّج له مولِّدو الفساد السّياسيّ والاجتماعيّ لأسباب سلطويَّة غايتها سيطرة الأمم ”المتقدِّمة“ على ”النّامية“ منها والكُبرى على الصُّغرى، والدّول الغنيَّة والقويَّة على الفقيرة والضّعيفة منها.
من منظار إنجيليّ نرى تيَّارًا عالميًّا قويًّا يسعى إلى تشويه معرفة الإنسان حول ذاته باعتباره مخلوق على صورة الله، وبالتّالي تشويه نظرته الكيانيَّة لوجوده في بُعدِه المنظور والملموس (الجسد) ولبُعدِه الرّوحيّ (النّفس). مسار العولمة الغالب، اليوم، هو المادِّيَّة في تعاطي الوجود من خلال الشّهوات والملذّات والجدوى الاقتصاديَّة.
* * *
نظرتنا الإيمانيَّة الأرثوذكسيَّة للإنسان مرتبطة بحقيقة الكشف الإلهيّ في سرِّ يسوع المسيح الإله-المتأنِّس. الإنسان لا ثمن له لأنّه افتُدِيَ بدم ابن الله الوحيد. قيمة الإنسان الوجوديَّة مستَمَدَّة من حقيقة كونه على صورة الله وحاملًا في ذاته لروح الحياة الَّذي نفخه الله في أنف آدم التُّرابيّ ليصير هذا الأخير نفسًا حيَّة. للإنسان بُعدٌ أخرويّ بمعنى الخلود، كون النَّفس خالدة بمشيئة الله وهي لا تفنى بعد موت الجسد، وانطلاقًا من إيماننا بقيامة الأجساد في اليوم الأخير.
التَّعاطي الدّهريّ مع الإنسان مبنيّ على هذا العالم فقط، أمّا التّعاطي الإيمانيّ المسيحيّ الأرثوذكســيّ فأساسه تألّه الإنسان بالنِّعمة نفسًا وجسدًا. فما معنى أنّنا ”هيكل الله“ سوى أنّ الله نفسه يسكن فينا في أجسادنا ونفوسنا؟!… وليست السُّكنى الّتي نتحدَّث عنها أمرًا وجدانيًّا أو عاطفيًّا بل هي حقيقة إيمانيَّة معاشة وظاهرة في حياة الكنيسة وأسرارها وقدِّيسيها.
* * *
في زمن الكورونا، الَّذي نعيشه، علينا ألّا نغفل عن قيمة الإنسان الإيمانيَّة في المسيح وقدسيَّة جسده وروحه. هذا يستتبع التّنبُّه لكيفيَّة التّعاطي مع مرضى الكورونا ومع الرّاقدين بسبب هذا الفيروس. لا يجب بحال من الأحوال التّغاضي عن الاحترام للإنسان الَّذي في المحبَّة الإلهيَّة، أي أن نتنبَّه كيف نترجم محبّتنا واهتمامنا بالمصابين، هذا من ناحية. وألّا نقع في فخّ الخوف من بعضنا البعض بسبب هذا الوباء، ما يرتّبه هذا الخوف من ابتعاد وانفصال عن الآخَر وإمكانيَّة ضرب روح التّواصل بين البشر وبالتّالي قطع رباط المحبَّة وتنمية روح الانغلاق.
* * *
أيُّها الأحبّاء، صورة الله مكرَّمة ومقدَّسة أي أنّ الإنسان مدعوٌّ للصّيرورة على شبه ابن الله المتجسِّد. هذه غاية الوجود. هذا هو الإنسان الحقّ. هذا هو الإنسان المتألّه. نحقِّق قداستنا باتّباع المسيح أي بأن نعتزل فكر العالم ونقتني فكر الرَّبّ، بأن نتحرَّر من عبوديَّة العالم بتغيير أذهاننا وتنقية قلوبنا وتقويم سيرتنا بحسب إنجيل يسوع المسيح.
شهادتنا المطلوبة بشدَّة، اليوم، أن نسلك طريق القداسة بجرأة واتّكال على الرّبّ، مواجهين كلّ تعليم وسلوك ينافي الحقيقة الإنسانيّة الّتي كُشِفت لنا في يسوع المسيح، بعيش الإيمان في المحبَّة الفاعلة والتّواضع والوداعة، مطهِّرين نفوسنا وأجسادنا عبر الاغتسال بكلمة الله من خلال عيشها في الصّلاة والحياة يوميًّا، أي عبر موتنا اليوميّ عن طلب مشيئتنا والخضوع لأهوائنا، وقيامتنا من خلال سلوكنا في البذل وأعمال الرّحمة وقبول الآخَر كهيكل للرَّبّ، بنعمة الله المُجَدِّدة للرّوح والجسد.
لنتيقَّظ ولنحفظ أذهاننا نقيَّة وقلوبنا طاهرة وأجسادنا مكرَّمة لكيّ تتجدَّد البشريَّة والخليقة بواسطتنا في المسيح بالرّوح القدس، لأنّ كلّ شيء يصير طاهرًا بالأطهار بقوَّة الثّالوث القدّوس …
ومن له أذنان للسّمع فليسمع…
+ أنطونيوس
مـتروبوليــت زحلة وبعلبك وتوابعهـما