نشرة كنيستي- الأحد (22) بعد العنصرة- العدد 47
21 تشرين الثَّاني 2021
كلمة الرّاعي
عيد دخول والدة الإله إلى الهيكل
ودخولنا إلى الهيكل
”قَدِّسْ لِي كُلَّ بِكْرٍ، كُلَّ فَاتِحِ رَحِمٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ،
مِنَ النَّاسِ وَمِنَ الْبَهَائِمِ. إِنَّهُ لِي“ (خر 13: 2)
حدَّدت شريعة موسى بأنّ كلّ بكر، أكان ذكرًا أم أنثى من بني إسرائيل أم من البهائم، هو مقدَّس أي مفروز للرّبّ. ونقرأ في العهد القديم عن صموئيل النّبيّ الَّذي قدّمته أمّه إلى الرَّبّ في شِيلُوهَ، بعد فطامه، حيث عاش مع عالي الكاهن. هكذا صنع والدا مريم إذ أصعداها إلى هيكل الرَّبّ لتُكرَّس له.
كلّ مسيحيّ يُكرَّس للرَّبّ في المعموديَّة، يصير هو نفسه هيكل الله. والمكرَّس للرَّبّ عليه أن يتمِّم مشيئة السّيّد. ليس الله سيِّدًا بمعنى المتسلِّط أو المستبدّ، بل هو أب. هذا تحقَّق بتجسُّد ابن الله من مريم. كان الإنسان يُقدَّم للهيكل قديمًا ليُقدَّس لله حتّى يتقدَّس أي يتشبَّه بخالقه الَّذي هو قدّوس (لاو 19: 2).
مريم ابنة يواكيم وحنّة المختارة من العَليّ لتكون والدة الابن الوحيد لله الآب أُدخِلت إلى هيكل الرَّبّ لتكون قدوة لنا في تكريس ذواتنا ومَن لنا للرَّبّ، ولنتعلّم ممّا صنع والداها ومن حياتها.
* * *
المؤمن بيسوع المسيح يعرف أنّه يوم ولد من جرن المعموديَّة لم يعد لذاته بل صار للمسيح لأنّه دخل الكنيسة جسد الرّبّ الغالب الموت. كلّ معمّد هو ”خليقة جديدة“ (2 كو 5: 17). لكن، هل يعلم المؤمن أنّه صار مفروزًا لله؟!… أي هو صار له شاهدًا؟!…
لا شكّ أنّ معموديّة الإنسان طفلًا مرتبطة بشكل وثيق بدور عرّابه الَّذي هو مسؤول أمام الله عن تعليمه أسس الإيمان القويم والحياة في المسيح. للعرّاب دور وللأهل دور في النّموّ الرّوحي للطّفل ليصير رجلًا في المسيح.
مريم خلال تربيتها في هيكل الرَّبّ نشأت على عِشرة الكلمة الإلهيّة وصلوات الهيكل. هذا كان لها الغذاء الرّوحيّ الَّذي جعلها مُشبَعة بروح الله، فصار لها دخولها الهيكل دخولًا للهيكل فيها، أي صارت مطرح النُّطقِ بالكلمة الإلهيَّة وحياتها هي العبادة.
نعم، على المؤمن حين يدخل الهيكل أن يُدخِل الهيكل إلى كيانه لتصير حياته ليتورجيا إلهيّة مستمرَّة. من صار هيكلًا لله يُدخِل كلّ آخَر إليه بالمحبّة للرَّبّ الّتي بطاعة الوصيّة فتصير حياته وعلاقاته خبرة ليتورجيّة تقديسيّة.
* * *
ماذا يريد الله من الإنسان؟ ” إِرَادَةُ اللهِ: قَدَاسَتُكُمْ“ (1 تس 4: 3). كيف يتقدَّس الإنسان؟ ”أَنْ تَمْتَنِعُوا عَنِ الزِّنَا، أَنْ يَعْرِفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ أَنْ يَقْتَنِيَ إِنَاءَهُ بِقَدَاسَةٍ وَكَرَامَةٍ، لاَ فِي هَوَى شَهْوَةٍ كَالأُمَمِ الَّذِينَ لاَ يَعْرِفُونَ اللهَ. أَنْ لاَ يَتَطَاوَلَ أَحَدٌ وَيَطْمَعَ عَلَى أَخِيهِ فِي هذَا الأَمْرِ“ (1 تس 4: 3—6). القداسة مُرتبطة بعيش المحبَّة والمحبَّة هي في حفظ طهارة النّفس والفكر والجسد أمام الله وتجاه الآخَرين، وفي البذل والتّواضع وعدم الدّينونة في علاقتنا بالآخَر. هذه الحياة مصدرها كلمة الله المُعاشَة بقوّة روحه القدُّوس. والرُّوح القدس المستقرّ فينا بالمعموديّة نحافظ عليه حين نطيع الكلمة-الإله.
أن نتقدَّس هو أن نحيا وكأنّ العالم كلّه هو هيكل الرَّبّ لتصير حياتنا ليتورجيا مستمرَّة وممتدَّة في ”الآن“ نحو الأبديَّة لتكون الأبديَّة في ”الآن“ الَّذي نعيشه حاضرة من خلال وحدتنا مع المسيح وبه وفيه. مَنْ يحيا في المسيح يدخل هيكل الرّبّ ويصير كَمَرْيَم عَشيرًا للكلمة الإلهيّ بكلمة الكتب المقدَّسة ومغتذيًا بالمَنِّ السّماويّ في الأسرار كما كان الملاك يُحْـضِــــــر الطّعام لمريم في الهيكل، وحافظًا في قلبه عظائم الله في حياته وشاهدًا لها.
كما قدّم يواكيم وحنّة مريم إلى بيت الله علينا نحن أيضًا أن نقدّم ذواتنا وأولادنا ومن لنا ليكونوا مكرَّسين لخدمة بيت الله أي الإنسان الَّذي هو هيكل الله الأوّل، والَّذي أبدعه الباري ليكون له مطرح راحة ومجد بالحبّ الَّذي سكبه علينا بابنه الوحيد الَّذي صارت مريم له هيكلًا وسماءً وعرشًا. وكما تعلَّمت مريم أن تُسلِم حياتها للرّبّ فلنتعلّم منها الثّقة بمُبدعنا وأن نودعه حياتنا وحياة مَن لنا وبعضنا بعضًا، لنصير كلّنا واحدًا فيه وكلّنا هيكله الواحد الَّذي يستريح فيه…
ومن له أذنان للسّمع فليسمع…
+ أنطونيوس
مـتروبوليــت زحلة وبعلبك وتوابعهـما