Menu Close

نشرة كنيستي- أحد العنصرة المقدَّس العظيم- العدد 25

20 حزيران 2021

كلمة الرّاعي

عَنْصَرتنا بالماء والنُّور 

يُفتَتَحُ المقطع الإنجيليّ لعيد العنصرة، اليوم، بقول الرَّبّ: “إِنْ عَطِشَ أحدٌ فَلْيَأْتِ إِلَيَّ ويشرَب. من آمَنَ بي، فكما قالَ الكتاب ستَجْرِي من بطنِهِ أنهارُ ماءٍ حَيٍّ” (يوحنّا 7). ويُخْتَتَم بإعلان الرّبّ: “أنا هوَ نورُ العالَم، من يَتْبَعْنِي لا يمشي في الظَّلامِ، بل يَكُونُ لهُ نورُ الحياة” (يو 7).

هذا العيد هو عيد اقتنائنا لنعمة الله، وتاليًا لصفاته الإلهيَّة. يأتي الرَّبّ يسوع ليكشف عن حقيقته الَّتي أَعلنَها الرُّوح عنه في العهد القديم حين قال: “لأَنَّ شَعْبِي عَمِلَ شَرَّيْنِ: تَرَكُونِي أَنَا يَنْبُوعَ الْمِاءِ الْحَيّ، لِيَنْقُرُوا لأَنْفُسِهِمْ أَبْآرًا، أَبْآرًا مُشَقَّقَةً لاَ تَضْبُطُ مَاءً” (إرمياء 2: 13). يقول الرَّسول يوحنّا الإنجيليّ: “إِنَّ اللهَ نُورٌ وَلَيْسَ فِيهِ ظُلْمَةٌ الْبَتَّةَ” (1 يو 1: 5). يريد لنا الرَّبّ أن نقتني سرَّه بالنّعمة لنصير مَطرحًا لتجلّيها في العالم، أي ملكوتًا له…

*          *          *

في العالم يوجد ماء ونور مزيَّفَين. الماء رمز الحياة والارتواء والشّبع، والنّور رمز الغلبة على العتمة والظّلمة والظّلام أي الشّرّ في هذا العالم وما ينتج عنه. الماء والنّور رمز اندحار الموت والقضاء عليه. بلا ماء لا تستمرُّ الحياة وبدون روح الرَّبّ لا استمراريّة للإنسان. الماء والنّور الحقيقيَّين هما من صفات الله، أمَّا المُزيَّفَين فهما من عمل إبليس وهما المال والمعرفة. المال والمعرفة ليسا شرًّا بحدّ ذاتهما، بل يصيران رمز الشَّرّ حين يعتبرهما الإنسان مصدر تألُّهِه.

الإنسان، في العالم، يطلب الألوهة. هذه حركة داخليَّة كيانيَّة تتحرَّك في أعماق البشر لأنّهم على صورة الله، وهذه الصّورة تطلب تحقيقها. لذلك، لا يشعر الإنسان بإنسانيّته إلّا بِقَدْرِ تَشَبُّهِه بالإله. المشكلة هي أيّة صورة للإله يبحث عنها الإنسان، أو بالأحرى يسعى إلى تحقيقها.

مَطْلَب الإنسان المُلِحّ هو تحقيق ذاته، وسعيه الحثيث هو إلى إثباتها من خلال القدرة والمعرفة. القدرة أو القوّة الّتي يتوق إلى اقتنائها الإنسان هي إمكانيّته على تحقيق ما يريد، أن يكون قادرًا على صنع مشيئته. أمّا المعرفة، فهي إمكانيَّة تحديد مصيره بيده. هذه صفات الله: القدرة والمعرفة الكلِّيَّتَان. هذا ما يريد الإنسان اقتناءه في هذا العالم، وهذا ما يحيا عمره يبحث عنه أو يعمل للحصول عليه. لكن، خارجًا عن الله، “الْكُلُّ بَاطِلٌ وَقَبْضُ الرِّيحِ …” (جامعة 2: 11)

*          *          *

إنَّ الرّوحَ القُدُسَ مَعدودٌ “حَياةً وَمُحيِيًا، نورًا وًمانِحًا لِلضّياءِ، صالِحًا بِالطَّبعِ وَلِلصَّلاحِ يَنبوعًا. الّذي بِهِ يُعرَفُ الآبُ، وَيُمَجَّدُ الابنُ، وَيُفهَمُ مِنَ الكُلّ” وهو “نورٌ وَحَياةٌ وَيَنبوعٌ حَيٌّ عَقلِيٌّ، روحُ حِكمَةٍ، روحُ فَهمٍ، صالِحٌ مُستَقيمٌ، عَقلِيٌّ رِئاسِيٌّ، مُطَهِّرٌ لِلهَفَوات. إلهٌ وَمؤَلِّهٌ، نارٌ مِن نارٍ بارِزةٌ. مُتَكَلِّمٌ، فاعِلٌ، مُقَسِّمٌ لِلمَواهب، الذي بِهِ الأَنبياءُ كافَّةً، وَرُسُلُ اللهِ مَعَ الشُّهَداءِ تَكَلَّلوا. (…) نارٌ مَقسومَةٌ، لِتَوزيعِ المَواهِب” (من إينوس سحر العنصرة). هذا ما يتشوّق إليه البشر كافَّةً في حياتهم، هذا ما يرجونه ويفنون حياتهم لأجله. لكن، الإنسان الَّذي يطلب هذه الصِّفات من سلطانه الذّاتيّ ومن أعماله البشريّة لن يحصل سوى على ما يشابهها بالإسم دون المضمون. من لم يعرف الله مصدرًا له يصير هو مصدر نفسه، وبالتّالي يخسر نفسه الَّتي لا يمكنه أن يقتنيها من نفسه إذ هو مخلوق من العدم ولا وجود له بحدّ ذاته إلّا بمشيئة الله وحده.

يسوع الَّذي “تَأَكْلَمَ” (أي تجسَّد في الكلمة النّبويّة) في العهد القديم بروح الرَّبّ النّاطق في الأنبياء هو نفسه تجسَّد في “ملء الزّمان” (غلاطية 4: 4) من “الرّوح القدس ومن مريم العذراء، وتأنَّس” (من دستور الإيمان). يسوع المسيح هو الإنسان الكامل لأنّه الإله الكامل. فيه يُحقِّق كلّ إنسان حقيقته الكامنة في صورة الله الَّتي خُلِقَ عليها.

عيد العنصرة هو عيد تحقيق سرّ الخلاص وتأوينه في حياة المؤمن. في العنصرة يشترك الإنسان في الحياة الجديدة والخليقة الجديدة الَّتي بالمسيح. الرّوح القدس يُعطينا المسيح في داخلنا وعلى وجوهنا وفي قلوبنا. بالرّوح القدس نتَّحِد بالمسيح ونصير وإيّاه واحدًا. هذا هو عيد تقديسنا وتألُّهنا الشّخصيّ والشّموليّ في آنٍ معًا في جسد المسيح أي الكنيسة المقدَّسة. لكلّ إنسان عنصرته المتجدِّدة أبدًا في ذاته إذا ما عاش في التّوبة الَّتي هي طريق القداسة والتّألّه، كما يعلّمنا آباؤنا أنّ المسيرة نحو الله تمرّ بالتّنقية والاستنارة والمُعايَنة الإلهيّة…

“الأَشْيَاءُ الْعَتِيقَةُ قَدْ مَضَتْ، هُوَذَا الْكُلُّ قَدْ صَارَ جَدِيدًا” (2 كورنثوس 5: 17).

ومن له أذنان للسّمع فليسمع…

+ أنطونيوس

مـتروبوليــت زحلة وبعلبك وتوابعهـما

مواضيع ذات صلة