Menu Close

نشرة كنيستي- الأحد (5) بعد الفصح (الأعمى)- العدد 23

06 حزيران 2021

كلمة الرّاعي

صعود الإنسان في المسيح والخليقة الجديدة

”وَلَيْسَ أَحَدٌ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ إِلاَّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ،

ابْنُ الإِنْسَانِ الَّذِي هُوَ فِي السَّمَاءِ“ (يوحنّا 3: 13)

الإنسان في حقيقته الكيانيّة والأنطولوجيّة هو ابن الدّهر الآتي، خلقه الله ليس للفناء بل للحياة الأبديّة وليس لمملكة من هذا العالم بل لملكوت السّماوات. في طبيعته يحوي الإنسان ما هو من هذا العالم من أديم الأرض، وما هو من الله بروح الله: ”وَجَبَلَ الرَّبُّ الإِلهُ آدَمَ تُرَابًا مِنَ الأَرْضِ، وَنَفَخَ فِي أَنْفِهِ نَسَمَةَ حَيَاةٍ. فَصَارَ آدَمُ نَفْسًا حَيَّةً“ (تكوين 2: 7).

للإنسان حواس مزدوجة، منها ما يتعلّق بالجسد ومنها ما يتعلّق بالرّوح أو النّفس. كما للجسد كذلك للرّوح. الرَّبّ يسوع المسيح إذ قام من بين الأموات جدَّد الطّبيعة البشريّة وأعادها إلى وحدتها الجوهريّة بين النّفس والجسد، وحين صعد إلى السّماوات بالجسد أجلسها عن يمين الله الآب.

في حياته على الأرض مع النّاس، لم يكن الرَّبّ كاشِفًا للاهوته بشكل كلِّيّ، بل كان يحجب مجده الإلهيّ، لأنّه كما يقول لموسى في العهد القديم، حين يطلب هذا الأخير أن يراه، ”لاَ تَقْدِرُ أَنْ تَرَى وَجْهِي، لأَنَّ الإِنْسَانَ لاَ يَرَانِي وَيَعِيشُ“ (أنظر خروج 33: 20—23). لكنّ الرّبّ يسوع تكلّم عن حقيقته الإلهيّة وكشف مجد الله فيه بأعماله، وأحيانًا كثيرة فَهِمَ اليهود أنّه يساوي نفسه بالله ولكنّهم لم يستطيعوا أن يقبلوا هذا الأمر ويُسلِموا لهذا السّرّ، بل صاروا يطلبون قتله: ”فَمِنْ أَجْلِ هذَا كَانَ الْيَهُودُ يَطْلُبُونَ أَكْثَرَ أَنْ يَقْتُلُوهُ، لأَنَّهُ لَمْ يَنْقُضِ السَّبْتَ فَقَطْ، بَلْ قَالَ أَيْضًا إِنَّ اللهَ أَبُوهُ، مُعَادِلًا نَفْسَهُ بِاللهِ“ (يو 5: 18).

*          *          *

في المقطع الإنجيليّ لهذا الأحد، أحد الأعمى منذ مولده، نرى عملًا لا مثيل له في كلّ تاريخ البشريّة، إذ يخلق الرّبّ يسوع عينين للَّذي وُلِدَ من دون عينين، ومع ذلك فاليهود ومعلّميهم يرفضون أن يصدِّقوا ويقرّوا بهذه الحقيقة لقساوة قلوبهم ولعماهم بسبب كبريائهم إذ قالوا عن الرَّبّ يسوع بأنّه: ”لَيْسَ مِنَ اللهِ، لأَنَّهُ لاَ يَحْفَظُ السَّبْتَ“ (يو 9: 16).

لم يستطع الفَرّيسيّون ومن مثلهم أن يروا عمل الله وأن يميِّزوه لأنّهم ”قَادَةٌ عُمْيَانٍ“ (راجع: متّى 15: 14، 23: 16 و24). العمى الَّذي يتكلّم عليه الرّبّ هنا ليس عمى عيون الجسد بل عيون القلب أو النّفس. كيف يستطيع الإنسان أن يرى حقيقة جَلِيَّةً ساطعةً أمامه وينكرها أو يرفضها؟!… هذا يحصل، فقط، حين يكون الإنسان متكبِّرًا ممتلئًا من نفسه ومتمحورًا حولها وواثقًا ببِرِّ ذاته. لهؤلاء يقول الرّبّ يسوع: ”فَتِّشُوا الْكُتُبَ لأَنَّكُمْ تَظُنُّونَ أَنَّ لَكُمْ فِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً. وَهِيَ الَّتِي تَشْهَدُ لِي“ (يو 5: 39). هكذا، من تعلَّق بالحرف أماته الحرف لأنّ كلمة الله فاعلة ومُحَقَّقَة وهي حياة أبديّة وروح (راجع مثلًا: أفسس 6: 17 وعبرانيين 4: 12).

في إنجيل اليوم، الَّذي لم يبصر منذ ولادته بعينَي الجسد أبصر حقيقة المسيح الإلهيّة بالرّوح في عينَي القلب، وآمن وتخلَّى عن شعبه لأجل يسوع، وتمسَّك بالنّور الحقيقيّ الَّذِي يُنِيرُ كُلَّ إِنْسَانٍ يطلب الحقّ الإلهيّ. هذه هي الوصيّة الجديدة في المسيح يسوع: ”أَنَّ الظُّلْمَةَ قَدْ مَضَتْ، وَالنُّورَ الْحَقِيقِيَّ الآنَ يُضِيءُ“ (1 يو 2: 8). لذلك، لا شركة بين النّور والظّلمة لمن يتبع يسوع المسيح. خيار الإنسان يُحدِّد حقيقته ومصيره، فإمَّا أن يخرج من العالم ليسكنه كابن للملكوت وإمَّا أن يسكن العالم ويخرج من الملكوت…

*          *          *

أيُّها الأحبّاء، يأتي علينا عيد الصّعود الإلهيّ لكي نرتفع بالإيمان عن العالم فنتغرّب عن فكر العالم ومنطقه. في يسوع المسيح القائم من بين الأموات حَقَّق اللهُ للإنسان مصيره النّهائيّ حين صعد ابن الإنسان بالجسد وجلس عن يمين العظمة كما أنبأ يسوع السنهدرين عندما حاكموه: ”أَقُولُ لَكُمْ: مِنَ الآنَ تُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ جَالِسًا عَنْ يَمِينِ الْقُوَّةِ، وَآتِيًا عَلَى سَحَاب السَّمَاءِ“ (متى 26: 64)، وكما تحقَّق حين ارتفع عن تلاميذه إلى السّماء في اليوم الأربعين لقيامته: ”وَأَخْرَجَهُمْ خَارِجًا إِلَى بَيْتِ عَنْيَا، وَرَفَعَ يَدَيْهِ وَبَارَكَهُمْ. وَفِيمَا هُوَ يُبَارِكُهُمُ، انْفَرَدَ عَنْهُمْ وَأُصْعِدَ إِلَى السَّمَاءِ“ (لوقا 24: 50 –51).

الإنسان في المسيح دخل مرحلة جديدة من وجوده. ما بعد المسيح ليس كما قبله. في يسوع كُشِفَ سرُّ الله وسرُّ الإنسان. الإنسان هو كائن مع أنّه مخلوق من العدم إلّا أنّه في يسوع المسيح صار مشاركًا سرّ اللّامخلوقيّة أي الألوهة بواسطة الولادة الجديدة في المعموديّة على صورة يسوع المسيح، وفي اقتناء روح الرَّبّ بالنّعمة الإلهيّة الَّتي نحصل عليها في مسحة الميرون المُقدَّس (عنصرتنا الشّخصيّة) ونجدِّدُها في الأسرار كافّة لا سيّما في سرّ الشُّكر.

لقد دخلنا بالمسيح في حياة الدّهر الآتي. من ولد من ”الماء والرّوح“ صار من فوق (راجع يو 3). نحن نتعاطى الوجود كأبناء الملكوت. ليست هذه المسألة أخلاقيّة بل هي العيش بروح الله في العالم الَّذي هو تحت سلطان إبليس ”رَئِيسُ هذَا الْعَالَمِ“ (راجع: يو 12: 31، 14: 30 و16: 11).

المسيحيّ هو من ليس محسوبًا على الشّيطان لأنّه يحاربه بقوّة الله سالكًا في ”جِدَّةِ الْحَيَاةِ“ (رومية 6: 4) لأنّه ”إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي الْمَسِيحِ فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ: الأَشْيَاءُ الْعَتِيقَةُ قَدْ مَضَتْ، هُوَذَا الْكُلُّ قَدْ صَارَ جَدِيدًا…“.

ومن له أذنان للسّمع فليسمع…

+ أنطونيوس

مـتروبوليــت زحلة وبعلبك وتوابعهـما

مواضيع ذات صلة