نشرة كنيستي- أحد مرفع اللّحم (الدّينونة)- العدد 10
07 آذار 2021
كلمة الرّاعي
رحمة الله ودينونة الإنسان
”كُونُوا رُحَمَاءَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمْ أَيْضًا رَحِيمٌ“ (لوقا 6: 36)
رتّبت الكنيسة المقدَّسة، في هذا الأحد المسمّى بأحد الدّينونة، أن يُتلى المقطع الإنجيليّ الَّذي يتحدَّث عن الدّينونة الأخيرة في يوم مجيء الرَّبّ في مجده، حيث يُفرَز البشـر ويُحاسَبون بناء على أعمال الرّحمة الّتي قاموا بها في حياتهم تجاه الضّعفاء والمنبوذين والمرفوضين من النّاس، لأنّ هؤلاء ليس لهم سوى الله معين ومن كانوا لله.
لم يسأل الدّيّان العادل في هذا الإنجيل الَّذين فرزهم عن يمينه وعن يساره عن السّاعات الّتي قضوها في صلواتهم وعن التزامهم الدَّقيق برسوم الشَّريعة ولا عن الذّبائح الَّتي قدَّموها ولا عن النُّذور الّتي وفوها ولا عن إكرامهم لوالديهم ولا عن تقيُّدهم بشريعة الطّاهر والنَّجس، إلخ. لقد حكم عليهم بناء على موقفهم من البشر النَّكِرَة واللَّاشيء والمُحتَقَرين بالنّسبة للمجتمع. من عرفهم وكرَّمهم وحنى عليهم مجَّدَه، ومن تغاضى عنهم واحتقرهم وجفا عليهم حرمه من فرحه الأبديّ.
الصَّلاة النّافعة تليِّن القلب، والطّاعة للشّـريعة هي إكرام وخدمة الفقير والمسكين والبائس، والذّبيحة المقبولة هي أن نشترك في حمل أثقال الإنسان المرميّ أمامنا على قارعة دربنا اليوميّ… إذا لم تودّي بنا الصّلاة وطاعة الشّريعة وتقديم الذّبائح لله إلى إيمان فاعل بالمحبّة الإلهيَّة (راجع غلاطية 5: 6)، فلا قيمة لها لا بل تصير دينونة لنا. لأنّ من لا يرحم فهو ديَّان ظالم، يضع نفسه مكان الله ويحاسب النّاس بحسب كبريائه وأهواء قلبه…
* * *
المتكبِّر هو من لا يرحم ولا يحنو ولا يشعر بغيره، لأنّه لا يهتمُّ إلّا بما له. هو ديَّان لأنّه يرى نفسه أرفع وأسمى من الكلّ. هو يحاسِب ولا يُحاسَب. يقول القدّيس يوحنّا السّلّميّ بأنّ ”الكبرياء جحود لله، صنع الشَّياطين، ازدراء للنّاس، أمّ للإدانة، (…) وليّ لقساوة القلب، جهل بالحنوّ، محاسب مُرّ، قاض ظالم…“ (عن الدّرجة الثّالثة والعشرين من السُّلَّم إلى الله).
الإنسان الدَّيَّان هو كائن حقير لأنّه مستكبر. صورة الله فيه مشوَّهة مطموسة. يعيش في خنزيريَّة أفكاره، لأنَّ المُستعلي ساقِطٌ حكمًا في أهواء الجسد ودناءة البَشَرَة الطّالبة للَّذَّة بأيَّة طريقة ممكنة. وأعمال الجسد هي: ” زِنىً، عَهَارَةٌ، نَجَاسَةٌ، دَعَارَةٌ، عِبَادَةُ الأَوْثَانِ، سِحْرٌ، عَدَاوَةٌ، خِصَامٌ، غَيْرَةٌ، سَخَطٌ، تَحَزُّبٌ، شِقَاقٌ، بِدْعَةٌ، حَسَدٌ، قَتْلٌ، سُكْرٌ، بَطَرٌ“ (غلاطية 5: 19—21).
للإنسان مقاييسه في الحكم ومنطقه في الفهم وخبرته في التَّقييم. لكن، كلّ هذه ناقصة ظالمة لأنّها بدون روح الله تفتقد إلى الحقّ. الحقُّ الإلهيّ يقود الإنسان إلى الرّحمة لأنّ من يعرف نفسه يدينها وبدينونته لنفسه يرحم ضعف النّاس…
يظنّ النّاس أنّ الرّحمة انعطاف من فوق على الآخَر. هذا يصحُّ فقط بما يختصُّ برحمة الله، أمّا حين يرحم الإنسان أخاه فهذا ارتقاء بروح الرَّبّ لصنع مشيئة الله انطلاقًا من إدراكنا لحقيقتنا السّاقطة، ولكوننا في الضَّعف كباقي النّاس الَّذين لم يتوبوا بعد توبة صادقة إذ ما زلنا في خطايانا لأنَّنا لا نحبُّ الإخوة!… فمن ينظر أخاه محتاجًا ويغلق أحشاءه دونه كيف يحبّ الله؟!… كيف يبذل نفسه لأجل أخيه الإنسان؟!… كيف له أن يعرف الرّحمة؟!… (راجع: 1 يوحنّا 3).
* * *
أيُّها الأحبَّاء، يميل الإنسان إلى التَّهرُّب من صنع عمل المحبَّة والرّحمة حين يكون مقيَّدًا بأهوائه، وينزلق إلى دينونة الآخَرين، لا سيَّما الَّذين يضعونـه أمـام مساءلة ضميره، حين يكون قادرًا أن يغيثهم في ضعفهم ويعزّيهم ولا يقوم بذلك، لأنّه يشكِّك بهم ويحكم على نواياهم بحسب الظّاهر، بسبب قساوة قلبه وكبريائه وأنانيّته، فيضع نفسه ديَّانًا مكان الله العارف خفايا الكلى والقلوب وحده.
الكنيسة المقدَّسة تحذّرنا في هذا الأحد من إهمال الرَّبّ في أحبّائه المهمَّشين والمرفوضين والّذين يرى النّاس فيهم عبئًا عليهم. من يخدمهم يخدم الله ومن يهملهم يهمل الله، ويكون إيمانه وأعماله، تاليًا، باطلة.
الله قاضٍ عادل. من يخلص إذا حاكمه الله؟!… لذلك، فلنتب عن أنفسنا ونخدم الرّبّ في أحبّائه، لأنّنا حين نَرحم نُرحم وحين نغلق أحشاءنا عن الموجوع وننساه أو نتناساه نصير غرباء عن الله وأعداء له. كلّ منّا هو جائع وعطشان وعريان وغريب ومريض ومسجون في خطاياه وذاته وأهوائه، ولا تعزية له ولا خلاص إلّا بالمسيح يسوع الَّذي كشف لنا سرّ الحبّ الإلهيّ. من كان للمسيح صار مسيحًا صغيرًا مبذولًا للمسيح الَّذي هو في إخوتنا الصِّغار…
ومن له أذنان للسّمع فليسمع…
+ أنطونيوس
مـتروبوليــت زحلة وبعلبك وتوابعهـما