نشرة كنيستي- الأحد 15 من لوقا (زكا)- العدد 5
31 كانون الثّاني 2021
كلمة الرّاعي
دخول السَّيِّد إلى الهيكل والكرازةُ بالقُدوَة
”كُنْ مِثالًا للمؤمنينَ في الكلامِ والتّصرُّفِ والمحبَّةِوالإيمان والعَفاف“ (1 تيموثاوس 4: 12)
تعيِّد الكنيسة المقدَّسة في الثّاني من شباط لدخول السَّيّد إلى الهيكل، لتتميم الشّريعة الموسويَّة الّتي تفرض إدخال الطّفل الذّكَر البِكر إلى الهيكل وتكريسه للرَّبّ في اليوم الأربعين. وقد كان يُفدَى الطّفل إمّا بحمل حوليّ للموسرين أو بفرخي حمام أو زوجي يمام للفقراء (راجع: خروج 13: 2 – 13، تثنية 15: 19 ولاويين 12).
مَن أَوحى بالشّريعة لموسى أتى وتمَّمها ليحرِّرنا من نيرها ويدخلنا فيه إلى عهد جديد مكتوب بدمه المقدَّس. عهد الشّـريعة كان عهد الحساب والدّينونة، لأنّ الشّريعة تحكم على الإنسان بأنّه خاطئ، فلا تبرير بالنّاموس بل كشف للخطيئة، أمّا التّبرير فهو مُعطى مجَّانا في المسيح الَّذي افتدى البشريّة، لمن يقبله مخلِّصًا (راجع: رومية 3).
* * *
الرَّبُّ يسوع المسيح هو قدوتنا الأولى والأخيرة في طاعة الله والتّكرُّس له. لم يترك كلمة في النّاموس والأنبياء إلّا وتمّمها في ذاته مُخليًا ذاته من صورة مجده وصائرًا على صورة ضعفنا، لكي يُرينا الطّريق إلى الحياة الجديدة ويقودنا به وفيه إلى الغلبة على الشِّرّير. هكذا الَّذين قبلوه ”أَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللهِ، أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ“ (يوحنّا 1: 12). هكذا هي الكنيسة، إنّها جماعة تلاميذ المسيح، أي الَّذين يتبعونه متتلمذين عليه أي متعلّمين من حياته وسالكين به وفيه بنعمة روحه القدُّوس في طاعة مشيئة الله الآب الَّتي هي أن يتقدَّسوا (راجع 1 تسالونيكي 4: 3).
هذه هي رسالة المسيحيِّين أن يُظهِروا المسيح في حياتهم، في أفكارهم وأقوالهم وأفعالهم. ليست القداسة سوى طاعة وصيّة المسيح الَّتي تنقِّي الإنسان وتشفيه من أمراض الرّوح والنَّفس. البشـر كلّهم في الألم بسبب الأهواء الَّتي تجعل الإنسان مُتمَحورًا حول نفسه وحاجاته وأفكاره، ممَّا يجعل علاقته بالآخَرين مؤلمة، خاصَّة، مع الَّذين لا يستطيع أن يطوِّعهم لتحقيق مشيئاته، فيضطَّر حينئذ أن يتلوَّن في شخصيّته وتصرّفاته ليستميلهم بالتّرغيب أو يسيطر عليهم بالتّرهيب. هذا كلّه باطل ومن الشّرّير، وما هكذا يكون تلميذ المسيح، لأنَّ الإنسان بحقّ الإنجيل يتحرَّر ويساعد الآخرين بقدوته ليسلكوا طريق التَّحرُّر من قيود الأهواء وعبوديَّتها بحقَّ المحبَّة الَّتي فكَّت أسره في المسيح.
* * *
كلُّ مؤمن وُلِد من جرن المعمودية هو مكرَّس للرّبّ، لكن يوجد، أيضًا، في الكنيسة من قد كُرِّسوا له في الرّهبنة والخدمة الإكليريكيَّة، وهؤلاء مطلوب منهم أن يقودوا شعب الله في جهاد القداســـــــة. لــذلــــك، يُطـــلَب مــــــــنـــهم أن يكونوا قدوة و”مثالًا للمؤمنين في الكلامِ والتّصرُّفِ والمحبَّةِ والإيمان والعَفاف“ لإظهار وجه يسوع المسيح المعزِّي والمُشَدِّد للضّعفاء والمتألّمين وللأقوياء والفرحين. هذا كلُّه ثمرة المثابرة في معاشرة الكلمة الإلهيَّة الّتي تمنح المؤمن القوَّة الإلهيَّة بالرّوح القدس للثّبات في الجهاد والإصرار على التّنقية بالصَّلاة والتّأمُّل لعيش سرّ المحبَّة في سرّ الأخ…
* * *
أيُّها الأحبَّاء، رسالتنا المسيحيَّة هي عيش تكريسنا للرَّبِّ من خلال السَّعي، بالتّوبة، للغلبة على الموت الَّذي فينا والقابض علينا بأهواء النَّفس والجسد. إنّه جهاد تجديد معموديّتنا في سرّ الدّموع المطهِّرة والغاسلة أوساخ النّفس والرّوح، ليتنقَّى القلب من كلّ نيّة شرّيرة ومن الحسد والحقد والتّعلُّق بالذّات والتَّمحور حول الأنا كصنم نعبده.
نحقِّق هذا التّجديد الكيانيّ للفكر والذِّهن والقلب والنّفس والرّوح والجسد، يوميًّا، بمعاشرة الكلمة الإلهيَّة في الكتاب المقدَّس والصَّلاة الشّخصيَّة في مخادعنا، وفي السَّجَدات وفحص الضّمير، وفي التَّخلِّي عن كلِّ ما يعيق علاقتنا بالرَّبّ من كسل وحبّ للمال واللَّذّة ورفض ودينونة للآخَر. بكلمات بولس الرَّسول، أقول لنفسي ولكم: ”أَنْ تُقَدِّمُوا أَجْسَادَكُمْ ذَبِيحَةً حَيَّةً مُقَدَّسَةً مَرْضِيَّةً عِنْدَ اللهِ، عِبَادَتَكُمُ الْعَقْلِيَّةَ. وَلاَ تُشَاكِلُوا هذَا الدَّهْرَ، بَلْ تَغَيَّرُوا عَنْ شَكْلِكُمْ بِتَجْدِيدِ أَذْهَانِكُمْ، لِتَخْتَبِرُوا مَا هِيَ إِرَادَةُ اللهِ: الصَّالِحَةُ الْمَرْضِيَّةُ الْكَامِلَةُ…“ (رومية 12: 1 و2).
التّجديد الرّوحيّ يغيِّر شكل شخصنا الظّاهِر، فيصير مُشرِقًا مُنيرًا سَلاميًّا مُفيضًا كلّ تعزية على الَّذين يروننا، بنعمة الرّوح القدس الحالِّ فينا. هكذا كان القدّيسون، هكذا، نحن مدعوّون لنكون ناقلين فرح المسيح وخلاصه في وجوهنا وحياتنا. هذه هي كرازتنا اليوم كمكرَّسين للرَّبّ في العالم…
ومن له أذنان للسّمع فليسمع!…
+ أنطونيوس
مـتروبوليــت زحلة وبعلبك وتوابعهـما