Menu Close

نشرة كنيستي- أحد الفَرّيسيّ والعشّار- العدد 8

21 شباط 2021

كلمة الرّاعي

حكم الله وحكم النّاس

”إِنْ كَانَتْ خَطَايَاكُمْ كَالْقِرْمِزِ تَبْيَضُّ كَالثَّلْجِ“ (إشعياء 1: 18)

يميل الإنسان، بعامّة، إلى روح الإدانة أكثر ممّا إلى روح المغفرة وذلك بسبب أنانيّته وكبريائه. لا يستطيع أن ينظر بعين التّفهُّم إلى الآخَر لأنّه لا يعرف نفسه ولا خطاياه. معظم الأحيان، يتعاطى البشر، في العالم، مع بعضهم البعض انطلاقًا من خلفيَّات وأفكار مسبقة يحدِّدون بها واحدهم الآخَر. هذا لأنّ الإنسان يصعب عليه أن يرى ضعفاته وأخطاءه وأهواءه ويسهل عليه أن يرى عيوب الآخَر. بينما، عمومًا، يقدّر نفسه ويعطيها الحقّ في ما تفعله وتحكم فيه، وتاليًا يستسهل تَخْطِيئٌ الآخَر، خاصّة من لا يوجد كيمياء معه. كثيرًا ما يُخطئ البشر في أحكامهم الأولى حول الَّذين يلتقونهم، لأنّهم يحكمون بحسب الظّاهر وانطلاقًا من مقاييسهم الذّاتيَّة المبنيَّة على حقيقتهم الدّاخليَّة الّتي، غالبًا، هم يجهلونها!…

*          *          *

“لا تَدينوا، لكي لا تُدانوا” (مت 7: 1). إنجيل الفَرّيسيّ والعشار يحدِّثنا عن دينونة الفَرّيسيّ للعشّار. الفَرّيسيّ حكم على العشّار وأدانه، ليس عن معرفة شخصيّة بل انطلاقًا ممّا يعرف عن العشّارين. لم يلتفت إلى حالة هذا العشّار الَّذي كان واقفًا ”عن بُعد“ في آخر الهيكل يصلّي بانكسار قلب هربًا من أن يراه النّاس وتعبيرًا عن عدم استحقاقه للتّواجد في حضرة الله، لأنّه كان عارفًا بحالته المزرية وبحقارته وعدم أهليّته للمغفرة. لذلك، كانت ندامته قويَّة وعميقة ممّا ولَّد في قلبه توبة صادقة وحقيقيّة، إذ كان ”يقرع صدره قَائِلًا: اللّهُمَّ ارْحَمْنِي، أَنَا الْخَاطِئَ“ (لوقا 18: 13). كان يعرف أنّ النّاس لن يقبلوا وجوده في الهيكل، إذ كان يُعتَبر العشّارون خونة وظَلَمَة وخطأة. خاطَرَ بتقبّل إهانة النّاس طلبًا لتبرير الله، لأنّه احتقر نفسه بسبب استسلامها لسبي حبّ الفضّة والسّلطة وما ينتج عنهما من بشاعات… الانسحاق بالتّوبة أمام الله هو طريق الخلاص الَّذي وهبه الله للخطأة مهما كانت ذنوبهم…

*          *          *

يقول القدّيس نيقوديموس الآثوسي حول الإدانة: ”من الغرور والزّهو، يتولَّد شرٌّ آخر فينا، مسبِّبًا لنا الأذى، أعني الحكم على الآخرين وإدانتهم بقساوة، اللَّذَيْن بوساطتهما نحسبهم لا شيء، ونحتقرهم، وإذا سمحت مناسبةٌ، نذلّهم. هذه العادة السّيّئة المتفرّعة من الكبرياء، تتغذّى وتنمو من هذه الأخيرة، لأنّ الكبرياء تزيد بعد كلّ إدانة، بسبب الإرضاء الذّاتيّ الّذي يرافقها“.

أخطر عدوّ على الإنسان هو كبرياؤه. إنّه يُدمِّر صورة الله فيه، يشوّهها… المستكبر يصير شبيهًا بالشّيطان، ومثله يستطيع أن يتلوَّنَ بنورٍ زائفٍ من التّقوى الخارجيَّة الخدَّاعة الَّتي تحمل في طيَّاتها المخفيَّة خطفًا وظلمًا وتدميرًا للضَّعيف، ومخاصمةً لكلّ مستقيم القلب، ولكلّ من يحيا بالرّوح القدس، وتضخيمًا لخطايا السَّاقطين لتبرير الذّات في أعين النّاس…

الكبرياءُ ولّادَة لكلّ الأهواء ومطفأةٌ لروح الله في قلب الإنسان. المتكبّر ديّان للكلّ. هكذا صنع الفَرّيسيّ إزاء العشّار. الكبرياء درجات والإدانة أيضًا… الرَّحمة لا تلتقي مع الكبرياء كما أنّ المحبَّة لا تتواجد مع الأنانيَّة. هذه مواقف كيانيّة داخليَّة يتّخذها الإنسان ويترجمها في أفكاره وأقواله وأفعاله  كلّ حين…

*          *          *

أيُّها الأحبَّاء، لنهرب من كبرياء الفَرّيسيّ وروح الدّينونة وعدم الرَّحمة الّتي أظهرها في موقفه من العشّار، ولننتبه إلى أنفسنا لئلّا نسقط من عطف الله علينا وغفرانه. من يستطيع أن يحكم على البشر؟!… من يعرف خفايا القلوب والكلى؟!… من هو الإنسان الَّذي يعرف نفسه على حقيقتها بنور النّعمة الإلهيَّة؟!…

حُكْمُ اللهِ علينا دافعٌ لنا للتّوبة وتقويمِ القلب والسّيرة بقوّته، هو الَّذي تنازل وانسحق ليرفعنا من مزبلة خطايانا ويغسلنا من رجاسة أفكارنا وأفعالنا حاملًا في ذاته كلّ ضعفاتنا ليحرِّرنا منها. في المسيح الرَّبّ كشف لنا الآب حبّه اللّامتناهي للبشريّة والخليقة إذ جعل الموت الَّذي حَكَمْنَا على أنفسنا به بابًا للحياة الأبديّة في ابنه القائم من بين الأموات. من يحكم على نفسه بالموت عن الخطيئة بالتّوبة يحكم له الله بسُكنى الملكوت، ومن يحكم على غيره بالكبرياء يجلب على نفسه الدّينونة الأبديَّة…

لذلك، فلنتب إلى الله ليتوب علينا، ولنهتف من أعماق القلب والكيان بانسحاق في كلِّ حين: ”يا ربّي يسوع المسيح يا ابن الله ارحمني أنا الخاطئ“.

ومن له أذنان للسّمع فليسمع ما يقوله الرّوح في قلبه…

+ أنطونيوس

مـتروبوليــت زحلة وبعلبك وتوابعهـما

مواضيع ذات صلة