نشرة كنيستي- الأحد قبل عيد رفع الصّليب- العدد 37
12 أيلول 2021
كلمة الرّاعي
بالصّليب ننتصر!…
تعيّد الكنيسة المقدَّسة في الرّابع عشر من أيلول لتذكارَين، الأوّل هو وجود عود الصّليب من قبل القدّيسة هيلانة والدة الإمبراطور قسطنطين الكبير، والثّاني هو رفع الصّليب الكريم المقدَّس في مثل هذا التّاريخ من عام 628 م. بيد بطريرك أورشليم زخريّا الَّذي استقبل الصّليب المقدّس مع الشّعب إذ أتى به الإمبراطور هرقل الّذي غلب الفرس واسترجع عود الصّليب منهم وحرَّر بطريرك القدس ومن معه.
نُعيِّد، إذن، لإيماننا بالرّبّ الغالب الموت والَّذي مات على الصّليب لأجل خلاص البشريّة والخليقة قاطبة. تؤكِّد شهادات القدّيسَين يوحنّا الذّهبيّ الفمّ وأمبروسيوس أسقف ميلانو في عظاتهما إيجاد الصّليب المقدّس من قبل القدّيسة هيلانة الملكة، هذا بالإضافة إلى شهادات المؤرّخين الكنسيّين أفسابيوس، وسوزومينوس، وسقراط.
أهمّيّة التّأكيد على تاريخيّة هذا العيد هي أنّها دليل على صحّة صلب الرّبّ يسوع في زمن بيلاطس البنطيّ الوالي، وأنّ صليب الرّبّ حامل قوّة القيامة الّتي تُحيي ليس موتى الجسد، فحسب، كما حصل مع القدّيسة هيلانة حينما عرفت صليب الرّبّ من خلال عجيبة إقامة الميت بوضعه عليه، بل بالأحرى موتى الرّوح الَّذين يتشجّعون لعلمهم أنّ صليب الرّبّ قد أعتقنا من كلّ موت وحرَّرنا من كلّ عبوديّة.
* * *
ليـــــس الصّـــــــــــــــــلـــــــــــــــــــــــيـــب رمزًا وحـــــــــــــــــــــــسب بل هو ســـــــــــــــــــــــــــرّ (mystery)، أي هو لا يُعرَف إلَّا كخبرة كشف إلهيّ لفعل نعمة الثّالوث القدّوس بواسطة الرّبّ يسوع وفيه عليه (أي على الصّليب) لتجديد الخليقة بأسرها في الرَّبّ الَّذي أمات في جسده بشريّتنا العتيقة ليُقيمها فيه (أي في جسده وشخصه) ”خليقة جديدة“ (2 كو 5: 17 وغل 6: 15).
عبورنا إلى إنسانيّتنا الّتي بحسب الله هو فصحنا بالصّليب. كلّ شيء أُعطي لنا في يسوع، ولكن لنقتنيه علينا أن نحمل الصّليب أي أن نعبر بالموت عن العالم إلى الحياة الجديدة الّتي بالرّوح القدس في يسوع المسيح.
* * *
الإنسان المُعاصِر ”مُعَتَّر“ لأنّه يغرق أكثر فأكثر في القيود والعبوديّة لملذّاته وأهوائه وضعفاته، ويخترع لنفسه ”حاجات“ جديدة يركض وراءها في دوّامة لانهائيّة. العالم بِقِيَمِهِ انْهَارَ، المؤمن يسير عكس تيّار الـ”حضارة“، لأنّ ما يُسَمَّى ”حضارة“ صارت بمُعظمها ”خسارة“ لإنسانيّة الإنسان. الإنسان المعاصر يخسر إنسانيّته يومًا بعد يوم لأنّه يبتعد عن الله، لا إنسانيّة حقيقيّة بدون الله، يسوع المسيح الإنسان هو الإنسان الحقّ، وهو عبَّر عن ملء إنسانيّته على الصّليب حيث كشف لنا سرّ الله المحبّة اللّانهائيّة في إنسانيّته الّتي تهشّمت على الصّليب لأجل حبّ الإنسان من الإنسان، ليتجدَّد الإنسان بيسوع المسيح الَّذي دَفن الحقد والحسد والموت والشّرّ والظّلم وضعف الطّبيعة، وخلق الإنسانيّة الجديدة فيه، هذه الإنسانيّة الَّتي جسّدتها الكنيسة الأولى بأجلى بيان إذ ”كَانَ لِجُمْهُورِ الَّذِينَ آمَنُوا قَلْبٌ وَاحِدٌ وَنَفْسٌ وَاحِدَةٌ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَقُولُ إِنَّ شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِهِ لَهُ، بَلْ كَانَ عِنْدَهُمْ كُلُّ شَيْءٍ مُشْتَرَكًا“ (أع 4: 32).
* * *
أيُّها الأحبَّاء، الصَّليب هو الألم الَّذي فرضته الخطيئة على البشريّة والخليقة والَّذي لا مهرب منه، لكنّ الرّبّ كشف لنا الطّريق لتحويل الألم إلى راحة والحزن إلى فرح واليأس إلى رجاء… الطّريق هو محبّة الله ومحبّة القريب، أي إخلاء الذّات بالتّحرُّر من المشيئة الذّاتيّة وطاعة الرّبّ يسوع المسيح أي الاقتداء به.
الإنسان يحمل صليب خطاياه برضًى حين يريد إشباع أهوائه، لكنّ ثمرة هذا الصّليب هي الإحباط المستمرّ والدّخول في دوّامة طلب المزيد من إشباع الأهواء لإسكات ألم الصّليب النّاتج عنها. هذا الصّليب هو طريق إلى الجحيم الَّذي يصير حاضرًا بقوّة في قلب الإنسان وحياته.
الإنسان المؤمن يحمل صليب اتّباع الرّبّ برضًى إذ يريد أن يلتصق بالرّبّ، وثمرة هذا الصّليب هي الفرح الدّائم وقوّة الرّجاء بالغلبة المستمرّة بنعمة الله على الأهواء والخطايا من خلال مَسيرة التّوبة اللّولبيّة التّصاعديّة الّتي يرتقي الإنسان من خلالها صعودًا من برٍّ إلى بِرّ ومن غلبة على غلبة. الصّليب الحقّانيّ هو إماتة الحسد والحقد والكره وولادة المحبّة والمصالحة والسّلام في النّفس وفي العلاقة مع الآخَر. لا يكذبنّ أحد على نفسه، من لا يحبّ القريب، أي من لا يقبله ويرتضيه له عشيرًا ويفرح به ويحمله في ضعفاته وسقطاته يحيا في المراءاة، فهو لا يحبّ الرّبّ. محبّة البعيد أي قبوله والتّعامل معه بالحُسنى أسهل من محبّة القريب الَّذي تعيش معه في كلّ حين. لذلك، كانت الوصيّة الأولى والعُظمى هي أن ”تُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ. (…). وَالثَّانِيَةُ مِثْلُهَا: تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ. بِهَاتَيْنِ الْوَصِيَّتَيْنِ يَتَعَلَّقُ النَّامُوسُ كُلُّهُ وَالأَنْبِيَاءُ“ (مت 22: 37—40). من غلب في نفسه كلّ رفض للآخر يكون بالحقيقة مُحِبًّا لله، ومن أحبّ الله قَبِلَ صليب الحبّ الَّذي هو حياته وفرحه وغلبته على العالم في ذاته أوَّلا.
ومن استطاع أن يَقْبَلْ فليَقْبَلْ…
+ أنطونيوس
مـتروبوليــت زحلة وبعلبك وتوابعهـما