نشرة كنيستي- أحد آباء المجمع المسكوني السّابع- العدد 42
17 تشرين الأوّل 2021
كلمة الرّاعي
أيضًا وأيضًا في عقيدة آباء
المجمع المسكونيّ السّابع
تُعيِّد الكنيسة المقدَّسة في هذا الأحد لآباء المجمع المسكونيّ السّابع الّذي انعقد بين الرّابع والعشرين من أيلول والثّالث عشر من تشرين الأوّل من سنة 787 م. في مدينة نيقية برعاية الملكة إيريني الوصيّة على ابنها قسطنطين البرفيري.
ترأّس المجمع بطريرك القسطنطينيّة طراسيوس بحضور ممثّلين عن البابا أدريانوس وحضور بطاركة الإسكندريّة وأنطاكية وأورشليم مع عدد من الأساقفة والرُّهبان، وقد بلغ عدد المشاركين ثلاثمائة وستة وسبعين شخصًا.
انعقد المجمع لتوضيح إيمان الكنيسة وإعلانه بما يختصّ بمسألة إكرام الأيقونات واستعمالها في الكنائس والعبادة، لا سيّما بعد الاضطهاد الَّذي بدأ على أيّام الإمبراطور لاون الثّالث الإيصوريّ سنة 725 م. واستمرّ إلى سنة 741 م. في عهده، ونشط من جديد على عهد ابنه قسطنطين الزبلّيّ حتّى 775م.، وتوقّف في زمن الإمبراطورة إيريني ثمّ عاد من جديد سنة 813 م. وانتهى سنة 842 م. على زمن الامبراطورة ثيودورة. واستمرّ هذا الاضطهاد مدّة مئة وعشرين سنة، عانت فيه الكنيسة ومؤمنوها من منع إكرام الأيقونات حيث كانت السّلطات تصادرها وتتلفها وتلاحق مكرّميها وتضطّهدهم وتعذّبهم وتقتلهم. وقد جاء في تحديد موقف المجمع السّابع المسكونيّ من إكرام الأيقونات ما يلي: ”إنَّنا نحافظ على كلّ تقاليد الكنيسة، حتّي يومنا هذا، بلا تغيير أو تبديل. ومن هذه التقاليد، الصور الممثِّلَة للأشخاص (…) وهو تقليد مفيد من عدّة وجوه، ولا سيّما أنه يُظهر أنّ تجسُّد الكلمة إلهنا، هو حقيقة وليس خيالًا أو تصوُّرًا. لأنَّ الصّور عدا ما فيها من إشارات، وإيضاحات، تُحرِّك المشاعِر الشّريفة“.
* * *
لماذا هذا التّشديد على إكرام الأيقونات واستعمالها في العبادة؟! لأنّ الله تجسَّد وصار إنسانًا مثلنا وعاش بيننا وشاركنا في إنسانيّتنا وطبيعتنا البشريّة مع احتفاظه بألوهيّته الكاملة. أي هو كان إلهًا وإنسانًا معًا، أقنوم أو شخص واحد في طبيعتين دون امتزاج أو اختلاط أو انقسام أو انفصال. من يرفض رسم الإنسان يسوع المسيح ابن الله، يرفض تجسُّده أي أنّ الخلاص لم يحصل وطبيعتنا لم تتغيَّر بالمسيح القائم من بين الأموات أي بكلمات أخرى ما زالت الخطيئة مسيطرة على حياة الإنسان وما زال الموت غير مغلوب، أي لا قيامة ولا حياة أبديّة!…
الأكثر من ذلك، إنّ رفض التّجسُّد يؤدِّي إلى إنكار سُكنى نعمة الرّوح القدس في الإنسان، في نفسه وجسده، أي الإنسان لا يتقدَّس بالاتّحاد بالله إذ لا وحدة حقيقيّة بين الإنسان والله، لأنّه لا وحدة في المسيح الإله الإنسان بين الطّبيعة الإلهيّة والطّبيعة البشريّة، لأنّ أقنوم الكلمة لم يتجسَّد وبالتّالي لا يوجد تبادل خصائص بين الطّبيعة الإلهيّة والطّبيعة البشريّة في أقنوم ابن الله المتأنّس، وبالتّالي تسقط مقولة الآباء: ”صار الإله إنسانًا ليصير الإنسان إلهًا“. نتائج رفض إكرام الأيقونات هي تدمير كلّيّ لعقيدة وإيمان الكنيسة بالمسيح المخلَّص ابن الله المتجسِّد.
بإكرامنا للأيقونات نحن لا نكرّم الخشب والألوان بل من تُمثِّل. المسيح نعبده أمّا والدة الإله والقدّيسين فنكرّمهم. بهذا الفكر نحن نتعاطى مع الأيقونات الّتي تمثّل الرّبّ يسوع ووالدة الإله والقديسين. يقول القدّيس يوحنّا الدّمشقيّ بهذا الخصوص: ”لا يمكن رسم الله الَّذي لا يُدرَك، وغير المحدود، أمّا الآن وقد ظهر الله بالجسد وعاش بين البشر، فأنا أرسم الله الَّذي تراه العين فأنا لا أعبد المادّة بل خالق المادّة الَّذي استحال مادّة لأجلي“.
* * *
أيُّها الأحبَّاء، من لا يكرِّم الأيقونات يرفض الخلاص الَّذي بيسوع المسيح ابن الله المتجسِّد، ويُنكر القيامة وانسكاب الرّوح القدس على الكنيسة، لا بل تصير الكنيسة غير موجودة بالنّسبة إليه كونها جسد المسيح. من يرفض إكرام الأيقونات يُنكِر أنّ الله ”خلق الإنسان على صورته“ (راجع تك 1: 26 و27)، لأنّ الإنسان هو أيقونة الله الأولى. يسوع أتى وأعاد الصّورة إلإلهيّة إلى نقاوتها في الإنسان وحقَّق في ذاته المثال الَّذي كان الله يريد لآدم أن يصيره. من هنا فإنّ يسوع هو ”الإنسان“ الكامل لأنّه الإله الكامل، وفقط في يسوع يستطيع الإنسان أن يحقِّق سرّ (mystère) وجوده وغايته. روح الرَّبّ الَّذي في يسوع هو نفسه يقدّس الكنيسة والَّذين اعتمدوا على اسم الثّالوث القدّوس، ولأنّه يسكن في جسد الرّبّ فهو يقدّس المادّة أيضًا، ومن هنا فالأيقونات مقدَّسة بالَّذين ترمز إليهم لأنّهم فيها حاضرون بالنّعمة الإلهيَّة، ولهذا نسجد أمام أيقونة الرّبّ يسوع سجودًا عباديًّا لأنّه الله، أمّا أمام أيقونات والدة الإله والقدّيسين فسجودًا إكراميًّا لهم كونهم مطرح تجلِّي مجد الرّبّ. لهذا، أيضًا، نصنع أمام بعضنا البعض المطانيّة (السّجدة) الصّغيرة أو الكبيرة إكرامًا لنعمة الله السّاكنة فينا بالرّوح القدس.
أنت يا أخي وأنت يا أختي هيكل وأيقونته في هذا العالم، فهل ندرك هذا الأمر ونحيا بمقتضاه في تعاطينا مع حياتنا ووجودنا ونفوسنا وأجسادنا وأعمالنا واهدافنا؟!…
ومن له أذنان للسّمع فليسمع…
+ أنطونيوس
مـتروبوليــت زحلة وبعلبك وتوابعهـما