نشرة كنيستي- الأحد (25) بعد العنصرة- العدد 48
الأحد 29 تشرين الثَّاني 2020
كلمة الرَّاعي
وَحدَةُ الرُّوح
”مُحتَمِلينَ بعضُكم بعضًا بالمحبّة، ومجتَهدين في حِفظِ وَحدَةِ الرّوح برباطِ السّلام“ (أفسس 4: 2—3)
الكنيسة هي جسد المسيح. المؤمنون بالرَّبّ هم أعضاء هذا الجسد. الرّباط فيما بينهم هو رباط عضويّ. الكلّ متَّصل بالكلّ، والكلّ يؤثّر على الكلّ إمّا سلبًا أو إيجابًا. الرّوح الّذي يجمع المؤمنين في الكنيسة هو روح المسيح وروح الآب الرّوح القدس. تتأوّن وحدتنا بروح الرَّبّ. خارج الرّوح القدس لا وحدة. وحيث روح الرَّبّ هناك الحرّيّة، لأنّ الحرّيّة لا تنفصل عن الحبّ الإلهيّ. بالحرّيّة الّتي في الحبّ نتعاطى علاقاتنا في الكنيسة، ولكن هذا يفترض التّواضع أساسًا لحياتنا. بدون تواضع لا يوجد احتمال بعضنا لبعض، لأنّ المقصود بالاحتمال هو الصّبر بالرّجاء في المحبّة بالوداعة، لأنّ الوداعة هي ما ينكشف عن المتواضع في تعامله مع النّاس، وهي رقة ولطف في مواجهة كلّ غضب وخلاف. بالوداعة نكسر حائط العداوة، ولكنّ الوداعة لا تعني عدم الحزم. من يقبل الحزم بالوداعة في الحقّ يكون ابنًا للمسيح، ومن لا يقبل سماع الحقّ الّذي بالإنجيل يكون ضدّ المسيح…
* * *
”وتعرفون الحقّ والحقّ يحرّركم“ (يوحنا 8: 32). لا سلام خارج الحقّ وإلّا دخلنا في الرّياء. والإنسان بسهولة ينزلق إلى الرّياء ليحافظ على ماء وجهه أو بالأحرى على صورة شخصه الّتي يريد أن يراه النّاس بها. المسألة ليست بهذه البساطة، لأنّك لا تستطيع أن تكتشف حقيقتك ما لم تطلب الحقّ في المسيح. من هنا، فقد يدّعي الإنسان أنه خاطئ ويقرّ ظاهريًّا ببعض الخطايا والأهواء ليَظهر بمظهر التّقوى وكأنّه مجاهد روحيّ. كيف تعرف أنّك حقيقة تعرف خطاياك في الحقّ؟ حين تقبل أن تسمع من يكشفها لك وتتألّم منها بدلًا من أن تنزعج ممّن يقولها لك وتحقد عليه… الحبّ والكراهية وجهان لعملة واحدة في إنسان السُّقوط. الّذي لا يريد أن يتوب هو الّذي يرفض حقيقته ويبرِّر نفسه جاعلًا ذاته ديَّانًا للآخَرين.
هذا الإنسان لا يستطيع أن يعيش مع آخَرين إلّا من يُخضعهم له بالتَّمَظْهُرِ بالتَّقوى مُنَصِّبًا نفسه معلِّمًا عليهم بالإيمان، في حين هو نفسه لا يقبل أن يتعلَّم من أحد. هكذا إنسان يضرب روح الوحدة في الكنيسة لأنّه يريد أن يشدّ الآخَرين إليه وليس إلى المسيح. هنا يكمن الفرق بين عمل روح الرّبّ وروح إبليس في الإنسان. روح الرّبّ يشدّ الكلّ إلى الرّأس الَّذي هو المسيح، لأن هذه هي وحدانية الإيمان الّتي تجعلنا ”صَادِقِينَ فِي الْمَحَبَّةِ، نَنْمُو فِي كُلِّ شَيْءٍ إِلَى ذَاكَ الَّذِي هُوَ الرَّأْسُ: الْمَسِيحُ…“ (أف 4: 15).
* * *
ما هو الجهاد الّذي علينا أن نقوم به لنحفظ ”وَحدَةِ الرّوح برباطِ السّلام“؟ إنّه جهاد التّخلِّي عن ”الأنا“. الأنا تولِّد الخصومات والعداوات والانقسامات. لا نستطيع أن نحفظ وحدانيّة الرّوح إلّا بالرّوح القدس، أي حين نطيع روح الرّبّ الَّذي يتكلّم إلينا في الحقّ ويرشدنا إليه. والحقّ ليس هو ”ما أنا أعتقده برأيي“ بل ما يقوله الإنجيل. علينا أن نحفظ هذه الوحدة بالرّوح أي أن نحافظ عليها كونها أُعطِيَت لنا في المعموديّة والميرون المقدّس والمناولة الإلهيّة. نحن حاصلون عليها ولكن هل نحن نحفظها ككنز لا يُقدَّر بثمن حتّى لو كان الثّمن موت الأنا؟!… من لا يطيع في المسيح يفسخ وحدة الرّوح ويجعل نفسه مُحَارِبًا للرَّبِّ ومخرِّبًا لجسده: الكنيسة. لأنَّه فقط بطاعة الرّوح القدس تتحقَّق الوحدة برباط السَّلام. يوجد وَحدة مزيَّفة ووحَدة حقيقيّة. الوحدة المزيَّفة مبنيّة على القبول الظّاهريّ الواحد للآخَر طالما هذا القبول يخدم المصالح الشّخصيّة الأنانيّة، أمَّا الوحدة الحقيقيّة فتحقَّق بالطّاعة الحقيقيّة والصّادقة لكلمة الله أي بالقبول للآخَر في المحبّة بالتّواضع والوداعة في حزم حقّ الإنجيل. كما يقول المثل العامّيّ: ”صديقك من صَدَقَك“، غذا كان هذا الحال في العلاقات الاجتماعيّة فكم بالحريّ في الرّباط الرّوحيّ؟!…
* * *
أيُّها الأحبّاء، المسيح هو ”سَلاَمُنَا، الَّذِي جَعَلَ الاثْنَيْنِ وَاحِدًا، وَنَقَضَ حَائِطَ السِّيَاجِ الْمُتَوَسِّطَ“ (أف 2: 14). خارج المسيح لا وحدة ولا سلام ولا روح واحد جامع، فقط حين نكون في المسيح أي حين نتشبّه به ونقتدي حاملين صليب موت أنانا ليصير الآخَر حياتي. هذا ليس شعرًا، هذه هي المسيحيّة إنّها الحقيقيّة الواقعيّة والصّادقة حول من هو الإنسان. من لا يقبل أن يستعبد نفسه بالوصيّة للإخوة في الرّبّ سيبقى تائهًا ضائعًا في أوهام صورته المزيَّفة عن نفسه وهكذا يقود ذاته إلى هلاك أبديّ ما لم يستيقظ من سبات كبريائه ويتعلّم من الَّذي ”أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ“ (فيليبي 2: 7). فقط بسلوك درب الاتضّاع الطّوعيّ يمنحنا الرّبّ نعمته المنقِّية والمنيرة الَّتي تكشف لنا الحقّ كلّه. طريق وحدتنا بالرّوح يبدأ بنعمة التّوبة الصّادقة وتقبّل حقيقة بشاعاتنا وخطايانا وأهوائنا واجترائنا على مواجهة حقيقتنا مع آبائنا في المسيح بطاعة وقبول التّأديب في الرّبّ…
ومن له أذنان للسّمع فليسمع…
+ أنطونيوس
مـتروبوليــت زحلة وبعلبك وتوابعهـما