نشرة كنيستي- الأحد (11) بعد العنصرة- العدد 36
05 أيلول 2021
كلمة الرَّاعي
ولادة مريم وولادتنا الجديدة
”الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنْ فَوْقُ
لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَرَى مَلَكُوتَ اللهِ“ (يو 3: 3)
ها نحن في زمن عيد ميلاد والدة الإله مريم. ومريم صارت أمّ كلّ البشريّة في يسوع. ويسوع هو حياتنا الجديدة المتنزّلة علينا من فوق وهو غلبتنا على كلّ موت وواهبنا القيامة.
الإنسان يولد، أوَّلًا، من حشا أمّه، وثانيًا من جرن المعموديّة، وثالثًا بالتّوبة، ورابعًا بالأسرار، وخامسًا كلّما دخل في عَيْش سرِّ محبّة الرَّبّ ومحبّة الآخَر، وسادسًا بالموت الجسديّ، وسابعًا حين يأتي الرّبّ لِيَدين الخليقة فتكون قيامته النّهائيّة…
حياتنا ولادة مستمرَّة، لأنّ التّجدُّد هو موت وقيامة. وما هو التَّجدُّد سوى اقتناء روح الرَّبّ الَّذي يجعلنا متغيِّرين إلى شبه يسوع المسيح!…
الإنسان المسيحيّ هو الَّذي يعيش ليصير مثل يسوع، وهو لن يستطيع أن يصير هكذا ما لم يُسلّم ذاته وحياته بالكلّيّة إلى يسوع في طاعة وصيّته لأنّ ”فِيهِ كَانَتِ الْحَيَاةُ، وَالْحَيَاةُ كَانَتْ نُورَ النَّاسِ“ (يو 1: 4).
* * *
غاية التّجسُّد أن يُعيد الله الوحدة بينه وبين خليقته، وأن يردَّ للإنسان غاية وجوده ويهبه تحقيقها. هذا ما أتمّه الله في ابنه وكلمته المتجسّد.
سقوط آدم وحوّاء جلب على البشريّة والخليقة قاطبة فساد الموت أي شوّه صورة الإنسان الكيانيّة الدّاخليّة والخارجيّة الّتي هي على صورة الله، وتاليًا جلب الدّمار الرّوحيّ والجسديّ على البشر وكلّ الكائنات الحيّة والجامدة والكَوْن بأسره. ودخلت البشريّة في حالة من التّشرذُم والتّقاتل والانقسام لأنّ الإنسان أراد أن يجعل ذاته إلهًا، لكنّه عِوَضَ ذلك بالخوف ممّا لا يفهمه ولا يعرفه سقط في عبادة ما يُرهبه وما يشتهيه…
ودخل الكون، بما فيه، في دوّامة استهلاكيّة ”أكلت الأخضر واليابس“، كما يقول المثل العامّيّ. لماذا؟! لأنّ الإنسان قال في قلبه ”لَيْسَ إِلهٌ”. فَسَدُوا وَرَجِسُوا بِأَفْعَالِهِمْ. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحًا. اَلرَّبُّ مِنَ السَّمَاءِ أَشْرَفَ عَلَى بَنِي الْبَشَرِ، لِيَنْظُرَ: هَلْ مِنْ فَاهِمٍ طَالِبِ اللهِ؟ الْكُلُّ قَدْ زَاغُوا مَعًا، فَسَدُوا. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحًا، لَيْسَ وَلاَ وَاحِدٌ“ (مز 13 (14) : 1—3).
لكن، الرّبّ لم ولن يتركه الإنسان حبيبه بيد الموت والفوضى لأنّ الله هو حياة وسلام. وهكذا أعدّ الله البشريّة لمجيء ابنه الوحيد ليُخلِّص به وفيه العالم، وكان لا بدَّ أن يأتي من فتاة بتول مصطفاة من الله منذ الدّهر، هي ثمرة البشريّة التّائقة إلى خلاص الله وبرّه…
* * *
اليوم، العالم يتخبَّط في دوّامة شهوات الجسد والطّمع والجشع وحبّ السّلطة وتأليه القوّة. الخلاص بالإنسان باطل (راجع مز 59 (609 : 11 و 107 (108): 12)، هذه حقيقة ثابتة، لأنّ ”كل إنسان كاذب“ (مز 115 (116) : 11)، إذا لا ثابت إلّا الله وحده، وهو غير متغيّر ومتحوّل تجاه محبّته للإنسان ورغبته بتخليصه من مواتيّته الّتي يرزح تحت ثقل خوفها. الموت لا يُغلَب إلّا ”بالولادة من فوق“، أي بالماء والرّوح.
البشريّة عقيمة روحيًّا، أي هي لا تُخصِب فضيلة لأنّ الفضائل هي صفات الله. عقم يواكيم وحنّة جَدَّيّْ الإله كان رمزًا لهذا العقم الَّذي لا شفاء منه إلّا بسكنى الرّوح القدس في الإنسان. روح الرَّبّ الَّذي أعطى يواكيم وحنّة الشِّفاء من عقم الجسد، كونهما كانا مُختاران من الله، فأنجبا بحسب ناموس الطّبيعة مريم البتول والدة الإله لتكون هي غاية تاريخ الخلاص وتَمامه، إذ بها أتى ابن الله المتجسِّد إلى العالم، ولتكشف كمال تاريخ الحبّ والطّاعة بابنها يسوع المسيح، ولتُظهِرَ اكتمال تاريخ الاستجابة والرَّجاء لأنّه بولادتها تحقَّق تدبير الله للبشريّة إذ صارت هيكل وعرش العليّ والكتاب المقدَّسُ الَّذي رُقِمَ فيه الكلمة بتظليلها بالرّوح القدس بحسب مشيئة الله الآب.
لأجل هذا كلّه، مريم والدة الإله هي فرح البشريّة المخلَّصة بالمسيح، وباكورة البشريّة الجديدة في ابن الله المتجسِّد. وهي شفيعتنا أمام ربّها وابنها.
نضرع، اليوم، إلى الرَّبّ الرَّحيم والحنون أن يترأّف، بشفاعة والدته الكلّيّة الطّهارة، بالبشريّة كلّها الّتي تزداد توغُّلًا في الشّرّ والرّذيلة وأن يَهدينا إلى التّوبة والاقتداء بوالدته الّتي أطاعته طاعة كاملة في حبّها له، وأن يُرشِد خُطانا إلى الثّبات في رجاء خلاصه الأكيد، وأن يمنح المتألّمين والمظلومين والمحرومين والمرضى شفاء في نفوسهم وكيانهم، وأن يهب المؤمنين إيمانًا فاعلًا بالشّهادة للحقّ الإلهيّ لأجل كشف مخطَّطات إبليس وزبانيَّته وإفشال كلّ مشروع يهدف إلى خراب الإنسانيّة وتدمير جمال صورة الله فيها…
اليوم، كلّ مؤمن مدعوّ ليكون حاملًا ليسوع في حياته، على غِرار مريم، وأن يسطع نور المعلّم منه لتبديد ظلمة هذا الدّهر الحاضِر بالعمل والقول الَّذي من الحبّ الإلهيّ لفرح البشريّة وخلاصها…
ومن له أذنان للسَّمع فليسمع…
+ أنطونيوس
مـتروبوليــت زحلة وبعلبك وتوابعهـما