نشرة كنيستي- الأحد (1) بعد العنصرة (جميع القدِّيسين)- العدد 24
الأحد 14 حزيران 2020
كلمة الرَّاعي
هل القداسة للجميع؟!…
”كونوا قديسين كما أنّي أنا الرَّبّ إلهكم قدّوس“ (لاويّين 19: 1)
من يؤمن بإله يسوع المسيح مدعوّ للقداسة، لا بل للكمال: ”كوني كاملين كما أنّ أباكم السّماويّ هو كامل“ (متّة 5: 48).
قد يستغرب البعض هذا الأمر، لأنّ الاعتقاد الشّائع هو أنّ القداسة تحتاج نسكًا وتقشُّفًا وفقرًا وعفَّة، وهذه لا طاقة للعائشين في العالم على عيشها. هكذا هو الاعتقاد الشّعبيّ. لكن، إيماننا يقول عكس ذلك، أي أنّ القداسة دعوة عامّة لكلّ مؤمن… لماذا أقول للمؤمن وليس لأيّ إنسان؟!… لأنّ القداسة مرتبطة بسرّ الإله الَّذي نعبده، إذ هو وحده من يدعو المؤمنين به إلى التّشبّه به عبر سرّ الوَحدة… القداسة هي التّشبّه بالله أي الاتّحاد بالله…
* * *
إلهنا هو إله التّجسُّد. لقد اتَّخذَنَا لنتَّخذه. صار مثلنا لنصير مثله. هو، في البدء، خلقنا على صورته، لنسلك بوصيّته، فنحقِّق بنعمته، تمثُّلنا الكامل له بقوّته، في سرّ طاعة محبّته…
القداسة مرتبطة بطاعة الوصيّة. لا قداسة بدون الوصيّة، لأنّ الوصيّة حضور ومشاركة وفعل إلهيّ في حياة المؤمن. إله يسوع المسيح ليس كباقي الآلهة، لأنّه ليس بعيدًا في السّماء فوق مع أنّه في السّماء، وليس من أسفل مع أنّه موجود في الأسفل، وليس هو بعيدًا غريبًا عنّا مع أنّه بعيد وغريب لكونه قدّوس…
نحن مثل الله لأنّه خلقنا على صورته، وهو يريدنا أن نكون واحدًا معه بنعمته، أي أن نشاركه في قداسته. خارج يسوع المسيح لا يمكن طرح مسألة قداسة الإنسان. فقط، بالإيمان بابن الله المتجسِّد تصير قضيّة حياة الإنسان ومعنى وجوده مجابًا عنها، والجواب هو القداسة.
* * *
ما هي القداسة؟ إنّها التّشبّه بيسوع المسيح الإله-الإنسان. بقدر ما يصير الشّخص تجسيدًا لحقيقة يسوع الإنسانيّة، يصير متألِّهًا، لأنّ الطّبيعتَين الإلهيّة والإنسانيّة متَّحدتَين في شخصه بدون امتزاج أو اختلاط أو انقسام أو انفصال، ممّا يعني أنّ ما للإله صار في ما للإنسان أو بالأحرى للإنسان… هكذا من يتَّحِد بيسوع يشترك في ما هو له، أي يصير ابنًا لله بالتّبنِّي في يسوع المسيح. لذلك، ”إِنْ كُنَّا أَوْلاَدًا فَإِنَّنَا وَرَثَةٌ أَيْضًا، وَرَثَةُ اللهِ وَوَارِثُونَ مَعَ الْمَسِيحِ. إِنْ كُنَّا نَتَأَلَّمُ مَعَهُ لِكَيْ نَتَمَجَّدَ أَيْضًا مَعَهُ“ (رومية 8: 17).
لا قداسة دون آلام. الألم ثمرة خطيئة الإنسان وتغرُّب الخليقة عن الله بارئها. يوجد ألم تنتج عنه القداسة، ويوجد ألم ثمرة النّجاسة… وصيّة الله هي الّتي تكشف الحقّ من الباطل على صعيد قلب الإنسان، ”لأَنَّ كَلِمَةَ اللهِ حَيَّةٌ وَفَعَّالَةٌ وَأَمْضَى مِنْ كُلِّ سَيْفٍ ذِي حَدَّيْنِ، وَخَارِقَةٌ إِلَى مَفْرَقِ النَّفْسِ وَالرُّوحِ وَالْمَفَاصِلِ وَالْمِخَاخِ، وَمُمَيِّزَةٌ أَفْكَارَ الْقَلْبِ وَنِيَّاتِهِ“ (عبرانيين 4: 12).
المسألة ليست مسألة ناموس خارجيّ بل هي قضيّة قلب طالب لله، ”يَا ابْنِي أَعْطِنِي قَلْبَكَ، وَلْتُلاَحِظْ عَيْنَاكَ طُرُقِي“ (أمثال 23: 26). لا تنفصل حركة القلب-الكيان عن اتّباع الوصيّة الإلهيّة. القلب التّوّاق إلى الله يشتاق لصنع مشيئته الّتي في كلمته، ”فَتْحُ كَلاَمِكَ يُنِيرُ، يُعَقِّلُ الْجُهَّالَ“ (مزمور 119: 130)…
* * *
أيُّها الأحبَّاء، روح الرَّبّ هو مرشدنا إلى كلّ الحقّ الّذي في يسوع ومنه وإليه، ويسوع هو الَّذي يرينا الآب. القداسة هي سرّ معرفة الله في خبرة الرّوح القدس، إنّها صعود إلى السّماوات وجلوس عن يمين الله الآب في ابنه الوحيد المتجسِّد، وهي تنازل إلهيّ لسُكنى الإله في ضعتنا إذ ”لَنَا هذَا الْكَنْزُ فِي أَوَانٍ خَزَفِيَّةٍ، لِيَكُونَ فَضْلُ الْقُوَّةِ للهِ لاَ مِنَّا“ (2 كورنثوس 4: 7). ليست القداسة عملًا بشريًّا بل هي سرّ التّناغم والتّآزر بين مشيئة الله وإرادة الإنسان، بين فعل الرَّبّ وعمل الشّخص، بين النّعمة الإلهيّة والقوى البشريّة المخلوقة…
”نور المسيح مضيء للجميع“، لكن، لكلّ كائن خصوصيّة في استقباله لهذا النّور وقبوله في قلبه لينير جبلّته كلّها فتستضيء ترابيّته من مجد العليّ في الفضائل-صفات روح الله السّاكن فيه بالاعتراف بيسوع ربًّا ومخلِّصًا…
القداسة إيمان بسيط فاعل بالمحبّة النّقيّة لله وللآخَر المعطى لكلٍّ منَّا مطرحًا لعيشنا فرح الوصيّة في ألم إخلاء ذواتنا منَّا…
ومن له أذنان للسّمع فليسمع!…
+ أنطونيوس
مـتروبوليــت زحلة وبعلبك وتوابعهـما