نشرة كنيستي- الأحد بعد عيد الظُّهور الإلهيّ- العدد 2
الأحد 12 كانون الثَّاني 2020
كلمة الرَّاعي
معلّم البرّيّة
القدّيس أنطونيوس الكبير أدرك عدميّة الوجود بعيدًا عن الله حين رأى والده صاحب الأموال الكثيرة والأملاك الجزيلة مُسجًّى أمامه ميتًا، حينها صُدِم بحقيقة الإنسان الفانية وكيف أنّه لا مال ولا جاه ينفع أحدًا عندما توافيه المنيَّة! …
من هو القادر أن يتمِّم وصيّة التّخلِّي: ”يُعْوِزُكَ شَيْءٌ وَاحِدٌ: اِذْهَبْ بِعْ كُلَّ مَا لَكَ وَأَعْطِ الْفُقَرَاءَ، فَيَكُونَ لَكَ كَنْزٌ فِي السَّمَاءِ، وَتَعَالَ اتْبَعْنِي حَامِلًا الصَّلِيبَ“ (مرقس 10: 21). هذه الآية دفعت بالقدّيس أنطونيوس أن يبيع كلّ ما له ويوزّعه على الفقراء ويخرج من العالم طالبًا وجه باريه.
تنسَّك القدّيس أنطونيوس خمس وثمانين سنة في البرّيّة والصّحراء وتنقّى وحصل على نِعَمٍ روحيّة كثيرة وصار أبًا لرهبان كثيرين، فامتلأت الصحراء بالرّهبان والنّساك بسببه. النّاس كانوا يأتون إليه من كلّ حدب وصوب طلبًا لكلمة حياة وللحكمة الإلهيّة الّتي منحته موهبة التّمييز والتّعزية والشّفاء. هذا كلّه اقتناه بنعمة الله لأنّه كان أمينًا لله، فهو يقول: ” إنْ سَلـَّحَ الإنسانُ نفسَهُ بأمانـَةٍ لا تنثني نحوَ وَصايا الله، فإنَّ الرُّوحَ القـُدُسَ سَيُعلّمُهُ كيفَ يُطـَهِّرُ نفسَهُ وجَسَدَهُ“. هذا هو سرُّ نموّه الرّوحيّ وتطهُّره وصيرورته مسكنًا للرّوح القدس.
* * *
لا شكّ أنّ المسلك الرُّهبانيّ يناقض منطق العالم، إذ هو مسيرة تتنافى مع ما يطلبه أهل الدُّنيا. فالرّاهب يطلب الفقر المادّي بينما النّاس يطلبون الغنى الأرضيّ، البشر يطلبون تحقيق مشيئتهم وأن يُطيعهم الآخرون والرّهابين يطلبون مشيئة الله وأن يطيعوا الله في الآخَرين، كلّ ما يقتنيه أبناء هذا الدَّهر يسخّرونه للحصول على اللّذّة أمّا الّذين تركوا العالم فيبدّدون كلّ ما عندهم للتّحرُّر من شهوات هذا العالم الباطلة، أهل البسيطة لا يطيقون الانتظار لإشباع حاجاتهم ويدهمهم اليأس سريعًا أمّا طالبو السّماء فينتظرون خلاص الرّبّ متشدِّدين بالرَّجاء الَّذي لا يخزى … بنو آدم السّاقِط تحرُّقهم لمديح النّاس والمجد الباطل أمّا أبناء الله فراحتهم في الهوان لأجل المسيح والهروب من تعظيم النّاس لهم ليُعطى التّمجيد لله. من هنا وصيّة القدّيس أنطونيوس للرُّهبان والمؤمنين أنّه ”علينا أن نسعى وراء الأشياء الّتي تبقى معنا عند الممات وهي: المحبّة وحبّ الفقراء والإيمان بيسوع المسيح ووداعة القلب والضّيافة…“.
* * *
القدّيسون تتنقّى قلوبهم فيَرَوْن بِعَيْن الله المُستقبَلات. لذلك، تنبَّأ القدّيس أنطونيوس حول أزمنة الضّلالة، الّتي دخلنا فيها، قائلًا: ”سيأتي وقت يصير فيه البشر مجانين. وعندما يرون إنسانًا عاقلًا سينهضون عليه قائلين: أنت مجنون. والسّبب كونه يختلف عنهم“. هذا هو سبب الحرب على الكنيسة، بعامّة، والأرثوذكسيّة بشكلٍ خاصّ لأنّ الحقّ يُزَيَّف في هذا الزّمن الّذي صار فيه قتل الأجِنَّة والأطفال في أحشاء أمّهاتهم مُشرَّعًا بقوانين الدّول الّتي تحارب المسيح، بالإضافة إلى تشريع المثليّة الجنسيّة وكلّ ما يتعلَّق بالحرّيّة الجنسيّة وعبادة الشّياطين وقتل العباد وتدميرالبلاد باسم الدّيمقراطية وحقوق الشّعوب بحياة أفضل … الفساد والباطل صارا في ناموس أقوياء هذا الدّهر والمتسلِّطين مقاييس الصّلاح والحقّ. لقد دنت النّهاية واستفحل الشّرّير في تسيّده على بني آدم إذ أضلّ عقولهم بشهوة السّلطة وهوى اللّذّة فصار درب حياتهم موت وحياة السّالكين في الإيمان الحقّ تحدِّيًا لهم يدفعهم إلى التّوَغُّل في غِيّهم واضطهادهم لمسيح الرَّبّ وشهوده … هذا كلّه لا يُخيف المُختارين، لأنّهم يسلكون بالاتّكال الكامل على الله والشّكر، لذلك لا يفارقهم فرح الرَّبّ ويكونون في الرّاحة في نومهم وقيامهم. هذا ما يعبِّر عنه القدّيس أنطونيوس قائلًا: ”عندما تنام على سريرك، تذكّر بركات الله، وعنايته بك، وأشكره على هذا، فإذ تمتلئ بهذه الأفكار تفرح في الرّوح وعندئذ يكون نوم جسدك فيه سموّ لنفسك، وإغلاق عينيك بمثابة معرفة حقيقيّة لله. وصمتك وأنت مشحون بمشاعر صالحة هو تمجيد لله القدير من كلّ القلب وكلّ القوّة، مقدِّمًا لله تسبيحًا يرتفع إلى الأعالي“.
* * *
أيّها الأحبّاء، لنتعلّم من قدّيسنا الأمانة للرَّبّ وأن لا نخاف من مواجهة ظلمة هذا العالم، فإنَّ النُّورَ قد غَلَبَ والشَّرَّ قد أُبيد لأنّ المسيح قد حقَّق لنا هذا في ذاته بصلبه وقيامته وصعوده. نحن نقتني هذا الخلاص متى آمنَّا بالمسيح وسكن فينا روحه القدّوس. القدّيس أنطونيوس هو قدوة لنا في اتّباع الرَّبّ وحياته وجهاده وفضائله تحثّنا أن نتبع المسيح غير هيّابين الصّعاب لأنّ الرَّبّ هو الّذي يغلب. صحيح أنّ قدّيسنا كان راهبًا وناسكًا، ولكنّه نبراسٌ يضيء بأشعة الحقّ وشاهِدٌ بالعمل والقول لحقيقة وعود الله وتحقيقها في الَّذين يطيعونه ويسلكون بمقتضى وصاياه، لذلك، سلك كما علّم إذ قال: ”حياتنا وموتنا هما مع قريبنا، فإن ربحنا قريبنا نربح الله، وإن أعثرنا قريبَنا نخطئ ضدّ المسيح“. طريق الحياة الأبديّة واضِحٌ، من يسلكه يصل حتمًا إلى معرفة الله ويتقدَّس. سرُّ النّجاح هو التّواضع والجهاد بروح المحبّة الأولى. التّواضع لأنَّ الرَّبّ كشف لقدّيسنا هذا الأمر، قال: ”رأيت فخاخ العدوِّ في الأرض لامعةً، فقلت في نفسي من ينجو منها؟ فأتاني صوتٌ من السّماء يقول: المتواضع“.
أمّا الثَّبات في روح جهاد المحبّة الأولى فلأنَّ قدّيسنا عاش، هكذا، يجاهد كلّ يوم وكأنّه أوّل يوم له في رهبنته شوقًا إلى المعشوق الإلهيّ، لئلّا يضيع كلّ تعبه لأنَّ الرَّبّ يقول: ”أَنَا عَارِفٌ أَعْمَالَكَ وَتَعَبَكَ وَصَبْرَكَ (…) وَقَدِ احْتَمَلْتَ وَلَكَ صَبْرٌ، وَتَعِبْتَ مِنْ أَجْلِ اسْمِي وَلَمْ تَكِلَّ. لكِنْ عِنْدِي عَلَيْكَ: أَنَّكَ تَرَكْتَ مَحَبَّتَكَ الأُولَى. فَاذْكُرْ مِنْ أَيْنَ سَقَطْتَ وَتُبْ، وَاعْمَلِ الأَعْمَالَ الأُولَى. وَإِّلاَّ فَإِنِّي آتِيكَ عَنْ قَرِيبٍ وَأُزَحْزِحُ مَنَارَتَكَ مِنْ مَكَانِهَا، إِنْ لَمْ تَتُبْ“ (رؤيا 2: 2- 5) …
ومن له أذنان للسّمع فليسمع.
+ أنطونيوس
مـتروبوليــت زحلة وبعلبك وتوابعهـما