Menu Close

نشرة كنيستي- الأحد بعد عيد ميلاد ربّنا يسوع المسيح- العدد 52

26 كانون الأوَّل 2021

كلمة الرَّاعي

ميلاد الرَّبّ

”ماران أثا“ (1 كو 16: 22)

المولود الإلهيّ من مريم هو ابن الله المتجسِّد. هو ”مولود من الآب قبل كلّ الدّهور“ ولادة هي سرّ (MYSTERY) علينا لأنّها هي سرّ الله الثالوث الآب والابن والرّوح القدس، فهي ولادة لا تشبه ما في عقولنا من معنًى إذ إنّها صدور وسُكنى في آنٍ معًا لأنّ الآب كلّه في الابن والابن كلّه في الآب مع أنّ الآب غير الابن كأقنوم، والابن غير الآب كاقنوم ولكنّه مساوٍ للآب في الجوهر أي أنّ الجوهر الإلهيّ واحد وحيد هو في الآب وفي الابن معًا دون انقسام.

ولادة ابن الله الوحيد من مريم هي ولادة من أمّ وحدها، أي أنّ الَّذي حُبل به فيها ليس من زرع رجل وليس زواجًا بين الله وإنسانة كما في الميتولوجيا الإغريقيّة. ابن الله بأقنومه سكن في أحشاء مريم واتّخذ من جسدها جسدًا وذلك بنعمة الرّوح القدس الّتي حلّت عليها وظلّلتها لتستطيع أن تحمل ابن الله في أحشائها دون أن تحترق كالعشب بالنّار، وكما سبق فعاين موسى نبويًّا حين ظهر له الله في العلّيقة الملتهبة دون احتراق وملاك الرّبّ في وسطها (راجع خروج 3).

*          *          *

ولادة ابن الله المتجسّد من مريم هي تحقيق لنبؤات العهد القديم ولا سيّما لنبؤة إشعياء النّبيّ القائل: ”ها العذراء تحبل وتلد ابنًا وتدعو اسمه عمانوئيل“ (إش 7: 14). ولادة الإله بحسب الجسد تمّ الإنباء عنها قبل قرون من التّجسُّد الإلهيّ. ولكن ”مَنْ صَدَّقَ خَبَرَنَا، وَلِمَنِ اسْتُعْلِنَتْ ذِرَاعُ الرَّبِّ؟“ (إش 53: 1). إنّ ميلاد الرّبّ هو استعلان لسرّ الثّالوث الَّذي يفوق كلّ عقل وفكر والَّذي لا يستطيع الإنسان أن يفهم كنهه بعقله لأنّه كيف للمخلوق أن يعرف سرّ الخالق الوجوديّ؟!…

*          *          *

الرَّبُّ، إذن، يأتينا ليشاركنا طبيعتنا بما فيها من ضعف وقابليّة للموت وإمكانيّة خطيئة وإمكانيّة بِرٍّ. هو يصير إنسانًا كاملَ الطّبيعة والخواصِّ الإنسانيّة، هو إله وبشر، هو صاحب مشيئة إلهيّة ومشيئة بشريّة وفعلٍ إلهيٍّ وفعلٍ بشريٍّ، أي هو حرّ بحسب الألوهة وحرٌّ بحسب الإنسانيّة.  ماذا يعني هذا؟ هذا معناه أنّه بحرّيّته الإنسانيّة اختار أن يطيع الله طاعة كاملة، وبحرّيّته الإلهيّة اختار أن يختبر ما لطبيعتنا من ضعف كالجوع والعطش والحزن والموت. هو كإنسان أطاع وكإنسانٍ نما جنينًا في أحشاء مريم وطفلًا في حضنها. لقد أُعطيَ لنا في يسوع، إذ نتّحد به، أن نشاركه ما للألوهة كونه أَتْحَدَ الطّبيعة البشريّة مع الطّبيعة الإلهيّة في أقنومه بدون اختلاط أو امتزاج وبدون انقسام أو انفصال.

*          *          *

ماذا يعني لنا اليوم ميلاد ابن الله إنسانًا من مريم فتاة الله الدّائمة البتوليّة؟ إنّه عيد تحقيق ولادتنا الجديدة من فوق بالَّذي نزل من فوق ليرفعنا إلى فوق. أُعطينا في يسوع المسيح ابن الله إمكانيّة اتّحادنا بالله اتّحادًا حقيقيًّا بسُكنى النّعمة الإلهيّة فينا. هذا يعني أنّنا نصير والمسيح واحدًا في وحدة بدون ذوبان أساسها قبولنا حبّه اللّانهائيّ وانفتاح قلوبنا وكياننا لهذا الحبّ مجاوبين الحبّ بالحبّ وممتدّين بالشّوق إلى أصل وجودنا ومحقّقه بالإيمان الفاعِل بالمحبّة طاعة لمن يعطينا وصيّة الحياة الأبديَّة هبة ونعمة لا ثمن لها نقدّمه نحن بل ثمنها دمه الَّذي قدّمه على الصّليب ليقول لنا أنّنا مختارو الله منذ خلق العالم بالحمل المذبوح منذ إنشاء العالم.

أيُّها الأحبّاء، نحن نعيِّد كمسيحيِّين حين ندخل سرَّ الوجود بالابن الوحيد المولود من الآب بدءًا لا بدءَ له، والمولود من العذراء في كمال الزّمان لخلاصنا. نعيِّد حين نأتي مع الملائكة والكوكب، مع الرّعاة والمجوس إلى بيت لحم الّتي هي عالمنا وإلى المغارة الَّتي هي قلوبنا لنقدِّم للرّبّ هدايا هي هباته الّتي حبانا إيّاها. الله الآب قدّم لنا ابنه الوحيد إنسانًا مولودًا من العذراء، ونحن علينا أن نقدّم لله الآب حياتنا وكلّ ما لنا من خلال بذلنا لما أعطاه هو لنا لأجله في الآخَر. هذه مسيرة صعبة لا بل مستحيلة على الإنسان لأنّها إخلاء للذّات بكلّ ما للكلمة من معنى، ولكنها تصير ممكنة إذا ما لجأنا لله بالمسيح في روحه القدّوس. يولد المسيح في قلوبنا وحياتنا والعالم حين نعرف أن الله حياتنا وأنّه ليصير حياتنا يجب أن نعترف بأن الآخَر هو حياتي وأنّني لن أكون في المسيح ما لم يصر المسيح في الآخَر حياتي. هذه هي الولادة الجديدة في المسيح الّتي لا تصير إلّا بالموت عن الأنا بكلّ تشعّباته…

تعال يا ربّ… ها أنا أفتح لك قلبي… تعال يا ربّ واسكن فيّ… أنت يا أخي وأنتِ يا أختي… ماران أثا…

+ أنطونيوس

مـتروبوليــت زحلة وبعلبك وتوابعهـما

مواضيع ذات صلة