نشرة كنيستي- الأحد (9) بعد العنصرة- العدد 32
الأحد 09 آب 2020
كلمة الرَّاعي
موتٌ فقيامة
ها نحن سنعيّد لرقاد والدة الإله، كما لانتقالها أيضًا أي لقيامتها بالجسد وصعودها إلى السّماوات. هذا عيد رجاء وفرح في زمن الظّلمة الّتي تعبر بها بلادنا. الموت ليس نهاية الإنسان، بل هو بداية الانكشاف الكلّيّ لسِرِّ الوجود والحياة الأبديّة.
إنّ ”اللهَ الَّذِي قَالَ: “أَنْ يُشْرِقَ نُورٌ مِنْ ظُلْمَةٍ“ (2 كورنثوس 4: 6) هو الوحيد القادر أن يُخرِج من الموت حياتًا، وهذا ما أتمّه المسيح الرَّبّ على الصّليب…
الظّلمة دَخَلَتْ حياة البشر بالخطيئة، وإنسان اليوم مُحاط بالإثم وأفكار الكفر والكبرياء والأنانيّة والحسد والانغلاق والشَّرّ والجهل. ”حضارة“ العَوْلَمة هي مطيّة عالم الاستهلاك وفلسفة تشييئ الإنسان… العالم دخل في مرحلة قتل الإنسانيّة في النّفوس عبر دفع البشر إلى أن يكونوا في سباق دائم مع لقمة عيشهم، فَطَلَبِ راحتهم ورفاههم، فاستسلامهم للجشع والطّمع، إلى أن يصل الإنسان ليصير عبدًا لجسده وحاجاته ونزواته وأهوائه… ولأسياد هذا العالم والمتحكّمين به… ثقافة الحرّيّة المطلقة هي طريق الموت وهي الطُّعم الّذي يتمّ من خلاله تصيُّد الشّبيبة، بخاصّة، وكلّ شرائح المجتمع إلى وَهْمِ اقتناء السّعادة عبر ”شهوة الجسد وشهوة العيون وتعظُّم المعيشة“ (1 يوحنا 2: 16).
* * *
إذا نظرنا إلى حياتنا من خلال ما في هذا العالم فقط، فنحن أتعس النّاس لأنّه لا شيء يُرتجى من الوجود سوى ما يعيشه الإنسان في هذا العالم، هذه تُسمّى حياة لأجل الموت. أمّا المنطق السّليم، والّذي هو عكس ما يسوّقه لنا العالم، فهو أنّنا حين نطلب الموت عن أوهام الدُّنيا وكذبة السّعادة الاستهلاكيّة، أي حين نموت عن العالم بهذا المعنى فإنّنا نربح حياتنا الأبديّة.
الفرح والسّعادة نقتنيهما بالحبّ والعطاء وبلسمة جراح وأوجاع المتألّمين. ولكن، حتّى نصل إلى هذا الحبّ الإلهيّ لا بدّ لنا من معرفة الإنسان في ضعفاته وطاقاته في أنفسنا أوّلًا، لا بدّ لنا من فهم لطبيعتنا في هشاشتها وقوّتها وفي حقارتها وتجليّها. بشاعة الموت هي في خطيئيّتنا وأهوائيّتنا، وجمال الحياة هو في برارتنا ونقاوتنا. الحرّيّة الحقيقيّة هي قوّة الله المتجلّية في اختيار الإنسان الموت عن ما هو له أي لأناه في ذاته ليختار ما هو للآخَر المطلق، أي الله، في نفسه. حين نطلب ما لله نطلب ما للإنسان حقًّا، والرَّبّ قد أتى لتكون لنا الحياة وتكون أفضل (يوحنا 10: 10). وما هي الحياة الأفضل يا ترى؟ إنّها نقاوة القلب والذّهن من كلّ صنمٍ أي من كلّ روح ليس من الله، ونقاوة الجسد والعقل من كلّ شرّ وحسد وحقد أي من كلّ فكر وعمل ليس من العليّ…
* * *
أيُّها الأحبّاء، هذه هي مريميّة موتنا وحياتنا، لأنّ مريم والدة الإله صارت كلّيّة النّقاوة والطّهارة بقبولها لكلمة الله وطاعتها الكلّيّة لها، وهكذا صارت أمّ الحياة وأُعتِقت من فساد الممات إذ أقامها ابنها في اليوم الثّالث ونقلها بالجسد إلى السّماء.
مسيرة الإنسان نحو اكتشاف معنى وجوده وحياته تمرُّ حُكمًا بالموت والألم النّاتج عن عدم فهم سرّ صراعه الخفيّ والحرب الّتي تدور في داخله بين الحبّ والأنانيّة وبين الرّحمة والقسوة وبين الكبرياء والتّواضع وبين الاستهلاك والبذل وبين التّسلُّط والتّعاون وبين الأثَرَة والمشاركة وبين الحقارة والرِّفعة وبين الكذب والاستقامة وبين الباطل والحقّ …
أن نعرف يعني أن نثق بالله وأن نكون في الرّاحة يعني أن نسلّمه حياتنا وأن نقتني السّلام يعني أن نتحرَّر من كلّ حاجة وضرورة بحسب مقاييس العالم وأن نقتني السّعادة يعني أن نتّحد بالله أي أن يصير الله حياتنا من خلال سكناه فينا بروحه القدّوس حين تصير كلمته متجسِّدة في كلّ خلايا كياننا المادّيّ والرّوحيّ. هذا هو فعل النّعمة الإلهيّة في الإنسان، هذا ما حصل في مريم بطريقة فريدة، هذا ما يجعلنا منذ الآن في امتداد لانهائيّ نحو الله ومن خلاله نحو الإنسان والكون إنطلاقًا من الله نفسه… هكذا يصير الإنسان في كلّ إنسان ولا يحيا إلّا في شركة الحبّ السّرّيّ (mystical)، بالرّوح القدس، مع كلّ إنسان فتصير حياته تجليّات مستمرّة لسِرِّ الوحدة بين الله والبشر من خلال كافّة أفكاره وأقواله وأعماله… هو لا يعيش لذاته بل لخالقه في ذاته وفي كلّ الخليقة… هذا هو سرّ الموت المؤدّي إلى القيامة منذ الآن…
ومن له اذنان للسّمع فليسمع…
+ أنطونيوس
مـتروبوليــت زحلة وبعلبك وتوابعهـما