نشرة كنيستي- أحد الشَّعانين- العدد 17
25 نيسان 2021
كلمة الرَّاعي
ملك السّلام
”وإلهُ السَّلامِ يكونُ مَعَكُم“ (فيليبي 4: 9)
اليوم، يأتينا الرَّبّ والخالق كإنسان راكبًا على جحش ابن أتان ليدخل أورشليم، ولكن أيّة أورشليم؟!… منذ حوالي الألفي سنة، دخل يسوع أورشليم الأرضيّة وسط هتاف الشّعب: ”هُوشَعْنَا، مُبَارَكٌ الآتي باسمِ الرَّبِّ ملكُ إسرائيل“. استُقبِل يسوع استقبال الفاتحين بعدما فتح قبر لعازر وفتح أبواب الجحيم ليخرجه منه مُعيدًا إيّاه إلى الحياة بإعادة خلقه، بمعنى من المعاني، كونه كان قد أنتن أي بدأ جسمه بالانحلال.
نصر يسوع ليس كنصر ملوك العالم، أي هو لم ينتصر على بشر وجيوش آدميَّة بالسّيف والقتل، بل انتزع من فم الأسد-إبليس وكلّ قوّاته لعازر ذا الأربعة أيّام الَّذي كان في القبر وفي مثوى الأموات. لعازر ذهب إلى الجحيم ورجع. لذلك، بعد إقامته من بين الأموات لبث صامتًا لا يجسر أن يفصح عن ما عاينه ومرّ به ليبقى السرّ مكتومًا، إلى يوم الرَّبّ، في حياة البشر.
يسوع دخل أورشليم مسيحًا للرَّبّ بهتاف الشّعب، ولكنّه مسيح غير الَّذي كانوا ينتظرونه، لذلك سوف يسلمونه إلى الصّلب قريبًا بعد استقبالهم له ملكًا عليهم…
* * *
اليوم، نعيِّد الشّعانين أي نصر الله في حياتنا وفي حياة الخليقة أجمع، هذا النّصر الَّذي أتمّه الرَّبُّ يسوع المسيح على الصَّليب، والَّذي نعترف به كبدءٍ جديد لوجودنا جميعًا. نحن لا نستقبل يسوع ملكًا بمفهوم اليهود الَّذين رأوا فيه مخلِّصًا لهم من حكم الرّومان ومانحًا لهم السّيطرة على العالم. نحن نستقبله ملكًا على قلوبنا جاعلًا منها أورشليم سماويَّة ومسكنًا لله. بيسوع المسيح الملك الإلهيّ تصير قلوبنا عرش الله وهيكله. نحن نتذكَّر دخول الرَّبّ إلى أورشليم في أسراريَّة حياتنا (sacramentality of our life)أي في عيشنا سرّ الحياة الجديدة بالمسيح في الرّوح القدس. في السّرّ (sacrament) نحيا الذّكرى الآن ونشترك فيها، أي نحن اليوم والآن نستقبل يسوع المسيح في أورشليم مع الجموع الهاتفة له: ”مُبَارَكَةٌ مَمْلَكَةُ أَبِينَا دَاوُدَ الآتِيَةُ بِاسْمِ الرَّبِّ! أُوصَنَّا فِي الأَعَالِي!“ (مرقس 11: 10). المملكة قد أتت وحضرت في يسوع، هو الملكوت، هو مطرح سكنى الله بلاهوته لأنّه ”فِيهِ يَحِلُّ كُلُّ مِلْءِ اللاَّهُوتِ جَسَدِيًّا“ (كولوسي 2: 9).
اليوم، نحن نتباشر ونسرع لنستقبل يسوع فينا ملكًا وسيِّدًا لحياتنا، بعد أن حاولنا أن نصوم الأربعين يومًا مجاهدين ضد أهواء النّفس والجسد وسالكين في طاعة الوصيّة الإلهيَّة ومقاومين تجارب إبليس وتجارب العالم لكيما ننقّي قلوبنا لتكون مستعدَّة لاستقبال ”ملك الملوك ورب الأرباب“ (رؤيا 19: 16). المسيح يطلبنا، لأنّه ”أحبّنا أوَّلًا“ (1 يوحنا 4: 19)، فهل نحن نحبّه لدرجة إسلامه كلّ حياتنا؟!…
* * *
أيّها الأحبَّاء، اليوم نعبر إلى أسبوع آلام الرّبّ، من مجد إلى مجد. في أورشليم استُقبل يسوع بتمجيد بشريّ وفرح إلهيّ، لأنّ سرور الله عبّر عنه البشر و”إِنْ سَكَتَ هؤُلاَءِ فَالْحِجَارَةُ تَصْرُخُ!“ (لوقا 19: 40). هذا السّرور هو، أيضًا، عربون إلهيّ لسرور غلبة المسيح على مملكة الشّرير وتقييد إبليس بقيود أبديَّة، وتحرير المأسورين تحت سلطانه من الأبرار منذ الدّهر بنزول المسيح إلى الجحيم وقيامته وإقامته للمغلولين، أسفل، معه.
نعم، المسيح هو الملك الحقيقيّ والوحيد لنا، نحن المسيحيّين. من يقبل بمَلِكٍ آخر عليه، يخون الرّبّ. ”لَا تَقْدِرُونَ أَنْ تَعْبُدُوا اللهَ وَالْمَالَ“ (متّى 6: 24).
أن نستقبل يسوع بسعف النّخيل وأغصان الزّيتون هو أن نسيِّدَه على حياتنا لأنّه وصيّته حياة أبديّة، ذلك بطاعتنا لها في سلوكنا بما يمجّده من أعمال حياتنا الّتي بالرّحمة والمحبّة والحنان والمسامحة والبذل والعطاء.
جهاد صومنا وصلاتنا، نقطف أولى ثماره اليوم في نقاوة استقبالنا ليسوع في قلوبنا دون شريك، أي بعيشنا لوحدانيّة الحبّ في حياتنا، حبّنا له الَّذي منه وبه وفيه نعيش سرّ الآخَر في تجلّيه بنعمة الله فرحًا وسلامًا من ”إله السّلام“…
ومن له أذنان للسّمع فليسمع…
+ أنطونيوس
مـتروبوليــت زحلة وبعلبك وتوابعهـما