Menu Close

نشرة كنيستي- الأحد (6) بعد الفصح (آباء المجمع المسكونيّ الأوَّل)- العدد 24

13 حزيران 2021

كلمة الرَّاعي

مساوٍ للآب في الجوهر

 

أساس الإيمان المسيحيّ هو هذا الإعلان الإيمانيّ العقائديّ الَّذي نردّده دائمًا في دستور الإيمان، عنيت به “مساوٍ (ομοούσιος) للآب في الجوهر” أي “الواحد مع الآب في الجوهر”، أي أنّ المسيح مِن جوهرٍ واحدٍ مع الآب، الجوهر الإلهيّ الواحد. هذا ما يؤكِّد ألوهيَّة الرَّبّ يسوع المسيح الكاملة والتّامّة كألوهيّة الآب.

آريوس وهو كاهن ليبيّ في الإسـكندريّة تميّـز بفصاحته. غاص في الفلسفة وأراد أن يطبّقها على الإيمان فانتفخ ووقع في الشَّطط. بدأ يعظ ويعلِّم أنّ “الله خلق الابن فكان كلمته بالموهبة، وفوّضه بخلق السّماوات والأرض. ثم أنَّ تلك الكلمة تجسّدت مِن الرّوح القدس ومِن مريم العذراء. فالمسيح بالتّالي كلمة وجسد وكلاهما مخلوقان”. وهكذا، كان يحاول إقناع المؤمنين بأنّ الله الآب هو وحده الإله الحقّ، بينما الرّبّ يسوع المسيح هو مخلوق. أنكر آريوس ألوهيّة الابن فزعم بأنّه كان وقت لم يكن الابن فيه موجودًا، وادّعى أنَّ الابن أوّل مخلوقات الله ومِنْ صُنْعِهِ، كما أنّ الرُّوح القدس مِن صُنْعِ الابن أيضًا.

بناء عليه، آريوس رفض ألوهيّة الثّالوث الواحدة في الجوهر، وأنكر التّجسُّد، وبالتّالي ضرب كلّ مفهوم سرّ الفداء ومعنى الخلاص أي أنّ الإله صار إنسانًا ليصير الإنسان إلهًا وكرَّس بتعليمه الضّال الانفصال الكلّيّ بين الله والإنسان.

تعليم آريوس يخالف بالكليّة ما كشفه لنا الرّبّ يسوع المسيح عن نفسه، ويناقض جوهر الإيمان المسيحيّ بأكمله كما هو معبَّر عنه، أوَّلًا، في الكتاب المقدَّس. على سبيل المثال لا الحصر، يُعلِن يوحّنا الرّسول في بداية إنجيله: “فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ. هذَا كَانَ فِي الْبَدْءِ عِنْدَ اللهِ…. وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا” (يوحنا ١)، وهذا نفسه ما يعلّمه بولس الرّسول: “بِالإِجْمَاعِ عَظِيمٌ هُوَ سِرُّ التَّقْوَى: اللهُ ظَهَرَ فِي الْجَسَدِ، تَبَرَّرَ فِي الرُّوحِ، تَرَاءَى لِمَلاَئِكَةٍ، كُرِزَ بِهِ بَيْنَ الأُمَـــــمِ، أُومِـــــــنَ بِهِ فِي الْعَالَمِ، رُفِعَ فِي الْمَجْدِ” (١تي ١٦:٣).

*          *          *

هرطقة آريوس لم تندثِر، ما زالت موجودة في كلّ فكر يرفض ألوهيّة الرَّبّ يسوع وسرّ التّجسُّد، واستطرادًا يُنكر حقيقة الله الثّالوث الآب والابن والرّوح القدس. إنّ إنكار مساواة الابن للآب في الجوهر أو وحدانيّته في الجوهر مع الآب يعني إنكار ألوهيّة الرّوح القدس ومساواته للآب والابن في الجوهر.  إنّه إنكار لسـرّ الله المحبَّة، الإله الواحد في ثـــــلاثـــــــة أقــــــــانـــــيـــــــم، الَّــــذي هــو احــــتــــواء دون انــــدمــــاج وتـــــحـــــرّك مــــتــــواصــــل ودائــــم دون تــــغيُّـــــر بيـــن أقانيم الثّالوث القدّوس                               (περιχώρησις  = Perichoresis)، انطلاقًا من الله الآب الَّذي يَصدر عنه الابن بالولادة والرّوح القدس بالانبثاق.

ماذا يعني هذا الأمر لنا ولحياتنا؟ الإنسان مخلوق على صورة الله، ومدعوّ لعيش قداسة الله. الله يريدنا أن نشابهه، هذا ما يقوله الوحي في سفر التّكوين: “وَقَالَ اللهُ: نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا” (تكوين 1: 26)، أي أنّ الإنسان مدعوّ للانطلاق من الصّورة إلى الشَّبَه أو المِثال الَّذي هو يسوع المسيح الإله المتأنِّس، الَّذي هو “هُوَ بَهَاءُ مَجْدِهِ (أي مجد الآب)، وَرَسْمُ أُقْنُومِهِ، وَحَامِلٌ كُلَّ الأَشْيَاءِ بِكَلِمَةِ قُدْرَتِهِ” (عبرانيين 1: 3). هذا الابن المساوي للآب في الجوهر يستقرّ فيه الرّوح القدس وبه يأتي إلى العالم ويسكن في البــــــشـــــر بنعمته في الكنيسة المقدَّسة الَّتي هي “جسد الرّبّ”، كما يقول الرّسول بولس: لأَنَّنَا جَمِيعَنَا بِرُوحٍ وَاحِدٍ أَيْضًا اعْتَمَدْنَا إِلَى جَسَدٍ وَاحِدٍ، (…)، وَجَمِيعُنَا سُقِينَا رُوحًا وَاحِدًا” (1 كورنثوس 12: 13).

غاية كلّ شيء هي أن نصير مُسحاء على شبه يسوع المسيح، أي أن يسكن فينا روحه القدّوس بالنّعمة، فنقتني في ذواتنا سرّ الحياة الإلهيَّة أي المحبَّة الَّتي هي الله (راجع: 1 يو 4: 8 و16). بكلمات أخرى، خُلِقْنا لكي نتَّحد بالله وتسكن فينا حياته، أو بالأحرى أن تصير حياته حياتنا، وهذا لم يكن ليتحقَّق لو لم يتجسَّد ابن الله، ويُتْحِدَنا فيه من خلال المعموديّة ويُشركنا في حياة الله من خلال جسده ودمه، بالرّوح القدس الَّذي يُحقِّق فينا صورة المسيح ويُحيينا “خليقة جديدة” في سرّ مسحة المَيْرون المقدَّس، واهبًا إيّانا الشّركة في حياة الثّالوث القدّوس بالابن في الرّوح مع الآب.

*          *          *

أيُّها الأحبّاء، هذا معنى أنّ الابن مساو للآب في الجوهر، وهذا هو الطّريق الَّذي علينا أن نسلك فيه لكي نتمِّم مشيئة الله تجاهنا الّتي هي قداستنا، كما يقول الرّسول بولس: “هذِهِ هِيَ إِرَادَةُ اللهِ: قَدَاسَتُكُمْ. أَنْ تَمْتَنِعُوا عَنِ الزِّنَا، أَنْ يَعْرِفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ أَنْ يَقْتَنِيَ إِنَاءَهُ بِقَدَاسَةٍ وَكَرَامَةٍ، لاَ فِي هَوَى شَهْوَةٍ كَالأُمَمِ الَّذِينَ لاَ يَعْرِفُونَ اللهَ. أَنْ لاَ يَتَطَاوَلَ أَحَدٌ وَيَطْمَعَ عَلَى أَخِيهِ (…) إِذًا مَنْ يُرْذِلُ لاَ يُرْذِلُ إِنْسَانًا، بَلِ اللهَ الَّذِي أَعْطَانَا أَيْضًا رُوحَهُ الْقُدُّوسَ. وَأَمَّا الْمَحَبَّةُ الأَخَوِيَّةُ فَلاَ حَاجَةَ لَكُمْ أَنْ أَكْتُبَ إِلَيْكُمْ عَنْهَا، لأَنَّكُمْ أَنْفُسَكُمْ مُتَعَلِّمُونَ مِنَ اللهِ أَنْ يُحِبَّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا…” (1 تسالونيكي 4: 3- 9).

ومن له أذنان للسّمع فليسمع…

+ أنطونيوس

مـتروبوليــت زحلة وبعلبك وتوابعهـما

مواضيع ذات صلة