Menu Close

نشرة كنيستي- أحد مرفع اللَّحم- العدد 8

الأحد 23 شباط 2020

كلمة الرَّاعي

لا حلول وَسَطِيَّة

البشر، بعامّة، لا يريدون حلولًا نهائيّة وقطعيّة في ما يختصّ بصنع الحقّ وطاعة كلمة الله والسّلوك بمقتضى الضّمير، بل يسعون ليجدوا حلولًا وسطيّة للتّحايل على الشّريعة الإلهيّة. أنا لا أتكلّم على حلول المشاكل الخارجيّة ومعالجة الأزمات بين النّاس، بل على الموقف الكيانيّ الَّذي يتّخذه الإنسان في أعماقه من الحقّ الإلهيّ. هذه هي المسألة الجوهريّة والّتي سيحاسبنا الرّبّ عليها، لأنّها مصدر كلّ معالجة لأيّ ثابت أو طارئ يتعاطاه الإنسان في حياته. من نبت في الإعوجاج لا يمكن إلّا أن ينمو معوجًّا، ما لم يتمّ تقويمه باكرًا قبل النّضج، إذ حينها لا ينفع تقويم بل الكسر والقلع هو الحلّ، هذا كشفه الرّبّ الإله لنا حين قال لارمياء النبيّ: “هَا قَدْ جَعَلْتُ كَلاَمِي فِي فَمِكَ. اُنْظُرْ! قَدْ وَكَّلْتُكَ هذَا الْيَوْمَ عَلَى الشُّعُوبِ وَعَلَى الْمَمَالِكِ، لِتَقْلَعَ وَتَهْدِمَ وَتُهْلِكَ وَتَنْقُضَ وَتَبْنِيَ وَتَغْرِسَ” (سفر إرمياء 1: 9 – 10).

*             *             *

مشكلة الإنسان الجوهريّة أنّه يرى ضرورة تطبيق الحقّ والعدل على غيره دون نفسه. الآخَر هو بحكم المُساءلة لكن ليس الذّات. هذه هي مأساة التّناقُض الكيانيّ في أعماق الإنسان والّتي تزداد يومًا فيومًا بسبب التّغرُّب عن الله.

الدّهريّة (Secularism) جوهرها الكذب لأنّها توجّه وجود الإنسان إلى العدم عبر جعل هذا العالم غاية وهدفًا بحدّ ذاته. الدّهريّون يخربون الكنيسة متى تغلغلوا فيها مدّعين إيمانًا زائفًا مبنيًّا على فصل الحياة عن الله عبر اختراع إلهٍ على شاكلة أهوائهم ومادّيتهم ومحاصرة الإله الحقّ في الهياكل والطّقوس والشّرائع البشريّة … “لكِنَّ كَلِمَةَ اللهِ لاَ تُقَيَّدُ” (2 تيموثاوس 2: 9). لا خلطة بين النّور والظّلمة بين البِرِّ والظّلم بين المحبّة والحقد. الإنسان الدّهريّ، وإن كان، ظاهريًّا، في الكنيسة إلّا أنّه خارج عن الإيمان ومخرِّبٌ رَجِس، لأنّه يعمل للتّفرقة وتهديم المحبّة والسّلام بإسم الحقّ الكاذب المبنيّ على المصالح الذّاتيّة ورفض طاعة الله بإسم الوصيّة … الدّهريّون في الكنيسة خدّام للباطل وإبليس ولا يمكن أن يكون لهم مكان فيها، إذ هم من تراب هذا العالم بينما الكنيسة هي إلهيّة – بشريّة أي ترابيّتها مضاءة بالنّور غير المخلوق المنبعث من الثّالوث القدّوس والصّادر من الآب بالابن في الرّوح القدس والّذي يكشف الخفايا بالكلمة الإلهيّة “لأَنَّ كَلِمَةَ اللهِ حَيَّةٌ وَفَعَّالَةٌ وَأَمْضَى مِنْ كُلِّ سَيْفٍ ذِي حَدَّيْنِ، وَخَارِقَةٌ إِلَى مَفْرَقِ النَّفْسِ وَالرُّوحِ وَالْمَفَاصِلِ وَالْمِخَاخِ، وَمُمَيِّزَةٌ أَفْكَارَ الْقَلْبِ وَنِيَّاتِهِ” (عبرانيين 4: 12).

*             *             *

“وَالآنَ قَدْ وُضِعَتِ الْفَأْسُ عَلَى أَصْلِ الشَّجَرِ، فَكُلُّ شَجَرَةٍ لاَ تَصْنَعُ ثَمَرًا جَيِّدًا تُقْطَعُ وَتُلْقَى فِي النَّارِ” (متّى 3: 10 ولوقا 3: 9). هذه هي الدّينونة منذ الآن، الشّجرة الّتي تصنع ثمار الخباثة والكذب والحقد والشّرّ لا بدّ من قطعها، لا بل اجتثاثها من جذورها، لئلّا تعود وتثمر خرابًا … هذا هو المبدأ الَّذي لا تستقيم حياة جماعة أو يرتفع بنيانها ويثبت بدونه.

“اَلرَّبُّ مِنَ السَّمَاءِ أَشْرَفَ عَلَى بَنِي الْبَشَرِ، لِيَنْظُرَ: هَلْ مِنْ فَاهِمٍ طَالِبِ اللهِ؟” (مزمور 14: 2 و53: 2). البشر بمعظمهم، لا يطلبون الحقّ لأنّهم لا يطلبون الله. لا ينفصل الحقّ عن الله لأنّ الرَّبّ هو الحقّ (انظر: يوحنا 14: 6). البشر الدّهريّون، بإسم الحقّ يصنعون ظلمًا وبُطْلًا، وإن كانوا من الّذين يدّعون الإيمان أكانوا إكليروسًا أم علمانيّين. مشكلتهم مَنْطِقُهُم الدَّهريّ الدّنيويّ السّاقط لأنّه ليس مؤسَّسًا على حبّ الله وحبّ القريب بل على محوريّة الأنا وانتفاخها. كلمة عقلهم المستَعْبَد لأهوائهم يضعونها فوق الوصيّة الإلهيّة باحتيال إبليس عليهم وفيهم ليزرعوا الزّؤان مع الحنطة، لكنّ الرّبّ سيفصل بينهما في النّهاية إذ يقول: “دَعُوهُمَا يَنْمِيَانِ كِلاَهُمَا مَعًا إِلَى الْحَصَادِ، وَفِي وَقْتِ الْحَصَادِ أَقُولُ لِلْحَصَّادِينَ: اجْمَعُوا أَوَّلًا الزَّوَانَ وَاحْزِمُوهُ حُزَمًا لِيُحْرَقَ، وَأَمَّا الْحِنْطَةَ فَاجْمَعُوهَا إِلَى مَخْزَني …” (متّى 13: 30).

*             *             *

أيّها الأحبّاء، لا مجال للتّسويات مع الله فإمَّا أن نكون له، وله وحده، وإمّا أن نكون مع عدوّه: “لأَنَّ مَنْ لَيْسَ عَلَيْنَا فَهُوَ مَعَنَا” (مرقس 9: 40). قرار الإنسان، الَّذي يُدعى مسيحيًّا، بطاعة كلمة الله ليس اختياريًّا، لأنّه حين يطلب هذا الإسم يكون قد اختار المسيح ربًّا وسيِّدًا لحياته وإلهًا له. الخيار قد تمّ، فإمّا أن نسلك بمقتضى هذا الاختيار الحرّ ونكون مستعدّين لتحمّل كلّ ما ينتج عن هذا الخيار والرّبّ أمين أن ينصرنا ويحفظنا له، وإمّا أن نسلك في وهم الاحتيال على كلمة الرّبّ وترتيب الأمور والمسائل بما يحفظ لنا ماء الوجه أمام النّاس ويُسقِط وجوهنا أمام الله.

لا مجال للحلول الوسطيّة حين يتعلَّق الأمر بحقّ الله وكرامة الإنسان الّتي في المسيح وأصول الحياة الكنسيّة واستقامة السّيرة،  على الإنسان أن يختار. السّؤال المطروح على ضمير كلّ إنسان، والّذي ينتظر الرّبّ منه الإجابة عليه هو التّالي: “حَتَّى مَتَى تَعْرُجُونَ بَيْنَ الْفِرْقَتَيْنِ؟ إِنْ كَانَ الرَّبُّ هُوَ اللهَ فَاتَّبِعُوهُ، وَإِنْ كَانَ الْبَعْلُ فَاتَّبِعُوهُ” (1 ملوك 18: 21). فما هو جوابك أيّها الحبيب! …

“مَنْ يَغْلِبُ فَسَأَجْعَلُهُ عَمُودًا فِي هَيْكَلِ إِلهِي …” (رؤيا 3: 12)

+ أنطونيوس

مـتروبوليــت زحلة وبعلبك وتوابعهـما

مواضيع ذات صلة