نشرة كنيستي- الأحد (18) بعد العنصرة- العدد 43
24 تشرين الأوَّل 2021
كلمة الرَّاعي
قساوة القلب
”الْيَوْمَ، إِنْ سَمِعْتُمْ صَوْتَهُ فَلاَ تُقَسُّوا قُلُوبَكُمْ،
كَمَا فِي الإِسْخَاطِ“ (عب 3: 15)
الله حيّ. الإنسان شكّاك. الرَّبّ ضابط الكلّ. الإنسان محدود في الفهم والقدرة. الله كلّيّ المعرفة. الإنسان لا يعرف نفسه… ومع هذا كلّه يرى الإنسان في ذاته كائنًا قادرًا أن يستقلّ عن الله ما لم يكن هذا الإله خاضعًا له ومنفِّذًا لمشيئاته!…
هذا ما حدث في ”مسّة مَريبة“ مع الشّعب العبرانيّ الَّذي حين عطش في البرّيّة خاصم الله وموسى قائلًا: ”أَعْطُونَا مَاءً لِنَشْرَبَ“ (خر 17: 2ب)، فأجابهم موسى: ”لِمَاذَا تُخَاصِمُونَنِي؟ لِمَاذَا تُجَرِّبُونَ الرَّبَّ؟“ (2 ث). فأمر الله موسى أن يضرب الصّخرة بعصاه الَّتي فلق بها البحر الأحمر فأخرجت لهم ماء ليشربوا. ”وَدَعَا اسْمَ الْمَوْضِعِ “مَسَّةَ وَمَرِيبَةَ” مِنْ أَجْلِ مُخَاصَمَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَمِنْ أَجْلِ تَجْرِبَتِهِمْ لِلرَّبِّ قَائِلِينَ: “أَفِي وَسْطِنَا الرَّبُّ أَمْ لاَ؟“ (17: 7).
هل يُعقل أنّ الشّعب الَّذي عاين عمل الله في إخراجه من مصر وعبوره البحر الأحمر وإطعامه المَنّ والسّلوى يُشكِّك بمشيئة الله بتخليصهم وإيصالهم إلى أرض الميعاد؟!… هذا أمر مُستغرَب جدًّا، ولكن هذا ما حصل مع العبرانيّين، وهذا ما يحصل معنا نحن، أيضًا، اليوم وسيبقى يصير لأنّ الإنسان لا يثق إلّا بنفسه وبما هو يبرمجه ويخطّط له وبما يؤمِّن عليه بنفسه. طبعًا، هذا كلّه مطلوب ولكن ليس بالاستغناء عن الله بل بالاتّكال عليه والثّقة المطلقة به بأنّه إله ”أمين وصادق“ (راجع رؤ 3: 14 و19: 11).
* * *
قساوة القلب تحرم الإنسان من نعمة التّوبة. هذا ما حدث مع فرعون فهلك في البحر الأحمر، وهذا ما حدث مع العبرانيّين الَّذين خرجوا مع موسى من مصر، فوصفهم الرَّبُّ مرارًا عديدة بأنّهم شعب صلب الرّقبة (خر 32: 9، 23: 3، 5، 34: 9، تث 9: 6). وقال إنّهم “قساة الوجوه، صلاب القلوب” (خر 2: 4). وقال عنهم “صُلاب الجباه، قساة القلوب” (حز 3: 7)… وبسبب قساوتهم هذه، لم يستجيبوا للرَّبِّ ولم يطيعوه، بل كانوا دائمي التّذمُّر عليه. لا يتوبون مطلقًا مهما أحسن إليهم، حتّى قال عنهم: ”مددت يدي طول النّهار لشعب معاند مقاوم“ (رو 10: 21).
قساوةُ القلبِ محارَبَةٌ للاتّضاع والتصاقٌ بكبرياء الفكر. هي تنمو في مستنقعات الشّهوات الغضبيّة الَّتي تسيطر على القلب وتأسره تارّةً باللَّذّة وطورًا بالعظمة والتّسلُّط حتَّى ليموت القلب ويتحجَّر، فلا يعود قابلًا للانكسار بالمحبَّة والحنان لأنَّه يرى نفسه مقياس الحقّ بحسب ما تُزيِّنُ له أهواؤهن ويطلب كسر كلّ آخَر، حتَّى الله، وإن لم يُطعه هذا الآخَر يرفضه ويحاربه ويسعى لإلغائه…
ثمرة قساوة القلب تحجُّر الفكر وتوقُّف العقل عن الفهم. قاسي القلب يصير شرِّيرًا بسبب جهله لمحبّة الله، ورفضه لمحبَّة الآخَرين، إذ المحبَّة بالنّسبة إليه هي أن يطيعه الكلّ… حتّى الله نفسه…
* * *
كيف نحارب هذا المرض السّرطانيّ؟
- بزيارة المستشفيات والقبور. هذا يعطينا أن نعرف ضعفنا وهشاشتنا. من لم يرَ هذا من ذاته، وهذا مُستَبعَد لقاسي القلب، سَيَراه بالموت والمرض والهوان، بالخوف والقلق، بالوِحدةِ (solitude) والضَّجر اللَّذَين يولِّدان فيه الشّعور باللّامعنى لحياته ووجوده رغم كلّ ما لديه…
- بالصَّلاة يتغيّر القلب. من لا يُصلِّي يقسو قلبه وتتصلَّب رقبته أمام الله والنّاس. لذلك، فالصّلاة تُليِّن القلب لأنّ من يصلِّي يتوب، ولو لم ينجح في توبته، ومن يصلّي يمتدّ نحو الله أو بالأحرى يُحاول أن يفتح قلبه لله ليدخل إليه وينظّفه من ”زبالته“ ويردّه نقيًّا طاهرًا مستنيرًا بالكلمة الإلهيّة والنّعمة…
- بالخدمة، خاصَّة للعاجزين، يستيقظ لدى الإنسان الوَعي بحاجته لله وللآخَر في المحبَّة والحنوّ أي في مجّانيّة العطاء. هذا يعطيه أن يُدرك أنّ القوّة لا تدوم وأنَّ الحياة الخالية من الحنان جحيم مستمرّ، وأنّه يحتاج الآخَر…
- بعِشْرَةِ الكلمة الإلهيَّة في الكتب المقدَّسة وفي كتابات الآباء وسير حياتهم.
قساوة القلب تمنع رحمة الله عن الإنسان… فلنهب يوم الدّينونة لأنّه آت لا محالة في وقت قريب… ”افتدوا الوقت فإنّ الأيّام شرّيرة“ (أف 5: 16).
ومن له أذنان للسّمع فليسمع…
+ أنطونيوس
مـتروبوليــت زحلة وبعلبك وتوابعهـما