Menu Close

نشرة كنيستي- الأحد (19) بعد العنصرة- العدد 44

31 تشرين الأوَّل 2021

كلمة الرَّاعي

في شهوة الجسد والشِّفاء الرّوحيّ

”اسْلُكُوا بِالرُّوحِ فَلاَ تُكَمِّلُوا شَهْوَةَ الْجَسَدِ“ (غل 5: 16)

نعيش في زمن صار فيه الفسق حرّيّة والفساد الأخلاقيّ جرأة والانحراف الإنسانيّ تحضُّرًا والسَّفاهة في التّعبير رُقيًّا. العالم يعيش للجسد، ويريد أن يَستعبد كلّ بشر له عبر تسويق الجسد كأداة للَّذَّة وجعل الإنسان جسدًا وتحديد غاية الحياة بالحصول على المتعة. واللّذائذ متعدِّدة وتطال الجسد والنّفس معًا لأنّه لا  فصل في حقيقة الإنسان الكيانيّة بينهما، فما يؤثِّر على النّفس ينعكس على الجسد وما يصيب الجسد يحفِّز النّفس.

ما يحصل اليوم، على هذا الصّعيد، ليس جديدًا على الإنسانيّة السّاقطة ”فَلَيْسَ تَحْتَ الشَّمْسِ جَدِيدٌ“ (جا 1: 9). لكن، الخطورة في أيّامنا هي سرعة الانثقاف (inculturation) وكثافته، عبر العالم، باتّجاه الفكر الواحد والحضارة الواحدة من خلال وسائل الاعلام والتّواصل الاجتماعيّ كافّة…

يقول سليمان الحكيم إنّ ”دُوَارَ الشَّهْوَةِ يُطِيشُ الْعَقْلَ السَّلِيمَ“ (حك 4: 12)، وهذا بالضّبط ما تصنعه الحضارة الاستهلاكيّة وفلسفتها بإنسان هذا الزّمن من خلال البثّ الممنهج والمستمرّ والمتزايد لحضارة اللّهاث وراء شهوة الجسد…

*          *          *

لا يستطيع المؤمن أن يعيش بدون موقف بإزاء ما يحدث حوله، عليه أن يفحص الأفكار والأعمال بروح الإنجيل وبمقياس شخص الرّبّ يسوع واتّباع القدِّيسين الَّذين واجهوا الحياة وما فيها بروح الرّبّ وكلمة الحياة. ما لا ينسجم مع روح الرّبّ وكلمة الله فهو من إبليس ويجب مجابهته. الحرب على الإنسانيّة اليوم، هي حرب متعدِّدة الأوجه والمحاور. فالإنسان يحارَب بلقمة عيشه، بأمنه، باستقرار حياته، ممّا يؤدّي به إلى الإحباط وأحيانًا كثيرة إلى اليأس، هذا من جهة. ويحارَب الإنسان المعاصر بأفكار الإلحاد المستترة في مفاهيم سامية كالحرّيّة والحقّ بالعيش الكريم والرّفاهية وحقوق الإنسان وغيرها، هذا من جهة أخرى.

من لا يحيا بروح الله يعيش للجسد أي لكلّ ما يُشبع نهمه إلى أن ينوجد ولكن بما لا يعطيه وجودًا بل بالأحرى بما يخسِّره وجوده لأنّه يخسر نفسه وإنسانيّته وحقيقته إذ يطلب الحياة ممَّا هو زائل… الإنسان في هذا العالم يتحرَّك في إطار الشّهوة ما بين لذّتها وألمها، لذا تراه غير مكتفٍ وغير مرتاح القلب والفكر. الشّهوة تولِّد أمراضًا كثيرة في النّفس والجسد وعُقَدًا تُكَبِّلُ حياةَ الإنسان. لذا، فالإنسان الجسدانيّ هو في اضطراب وقلق وتشويش وخوف مستمرّ يتخلّله لحظات نسيان عبر التّنفيس في لذّة الجسد يستتبعها مرارة قد تطول أو تقصر بحسب مدى ملئه لوقته بالعمل والنّشاطات والرّحلات وغيرها ليهرب من واقع ألمه الدّاخليّ المستمرّ بفعل اللّاوعي…

ما الحلّ؟!…

*          *          *

تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ. اِحْمِلُوا نِيرِي عَلَيْكُمْ وَتَعَلَّمُوا مِنِّي، لأَنِّي وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ الْقَلْبِ، فَتَجِدُوا رَاحَةً لِنُفُوسِكُمْ. لأَنَّ نِيرِي هَيِّنٌ وَحِمْلِي خَفِيفٌ“ (مت 11: 28—30). الرَّبُّ يسوع يدعونا إليه ليمنحنا راحته الَّتي لا يستطيع أيّ شيء أن يقلقها. لكن، الشّرط لاقتناء هذه الرّاحة هو أن نقبل بالتّعلّم من الرّبّ وأن نحمل نير وصيّته الَّتي جوهرها محبَّة الله ومحبّة القريب. محبّة الله تطهِّر ضمائرنا وقلوبنا من خلال حياة الصّلاة وما ينتج عنها من توبة على صعيد تقويم الحياة في تعاطينا مع أنفسنا ومع أفكارنا ومسيرة حياتنا وفي علاقاتنا مع الآخرين وخدمتنا لهم. الإنسان هو المحبَّة، والمحبَّة الّتي نقتنيها بالنّعمة الإلهيّة من خلال جهاد الصّلاة والصّوم وعِشْرَة الكلمة الإلهيَّة تجعل كلّ شيء طاهرًا لنا وتحوِّل كلّ أفكارنا وأعمالنا وعلاقاتنا إلى مطارح لعيش هذه المحبَّة الَّتي هي الطّاقة أو القوّة الإلهيَّة المانحة الفرح والرّاحة والسّلام واللّطف والوداعة والتّواضع. حين يتعلّم الإنسان أن يحبّ، بحسب المسيح، يتغلَّب على كلّ شهوة ويصير الآخَر والعالم له مطلّات لتجلّي وجه يسوع وينابيع لتدفّق نعمة الثّالوث القدُّوس المُحرِّرة والمُشبعة لحاجة الإنسان إلى الوجود، لأنّ الله هو الوجود، ومن التصق بالرّبّ صار وإيّاه روحًا واحدًا أي يتحوَّل الوجود بالنّسبة له إلى شركة في روح الله وحياة الله وسرّ الحبّ الإلهيّ الَّذي لا حدود له…

ومن استطاع أن يقبل فليقبل…

+ أنطونيوس

مـتروبوليــت زحلة وبعلبك وتوابعهـما

مواضيع ذات صلة