Menu Close

نشرة كنيستي- الأحد (4) بعد الفصح (السَّامريَّة)- العدد 20

الأحد 17 أيَّار 2020

كلمة الرَّاعي

فرح القيامة ولُقْيَا المسّيّا

إمرأة سامريّة تقابل رجلًا يهوديًّا عند بئر يعقوب، أبي الآباء، في نصف النّهار حين سقط آدم وحوّاء في الفردوس قديمًا، بغواية الحيّة-إبليس. وهذا الأخير لا يهرب منها بل يتواصل معها طالبًا إليها أن تعطيه ليشرب!…

المشهد غريب ومستهجَن في آنٍ معًا، لأنّ اليهود يحتقرون السّامريّين والسّامريّون يبغضون اليهود، مع أنّهم أبناء يعقوب-إسرائيل كلّهم، هذا من ناحية. من ناحية أخرى، رجل وامرأة غريبان عن بعضهما البعض يلتقيان ويتحادثان في وضح النّهار ضاربَين بعرض الحائط محظورات ذلك الزّمان!…

عادة، تأتي النساء باكرًا قبل حرّ شمس الظّهيرة لتملأن جرارهنّ من الماء لاحتياجات اليوم كلّه، فلماذا تأتي هذا المرأة عند الظّهيرة-زمن الحرّ وقسوة الشّمس والظّمأ؟!… ما الّذي تسعى وراءه؟!… هذا ما سيكشفه لنا حوار الرّبّ معها عند البئر…

*             *             *

في الحقيقة، هذه المرأة تشابه كلّ نفس تحيا في الإشراك والزِّنى وتمثّلها. السّامريّون أشركوا في عبادة الإله الواحد، وهذه المرأة كان تسلك في الزّنى إذ لا رجل لها، بل تحيا في علاقة غير شرعيّة مع أحدهم…

هي أتت البئر لتصطاد رجلًا لنزائها. الزّمن زمن التّجربة، وعناصر السّقوط حاضرة: رجل وأمرأة. لكنّ “المرأة الّتي سقطت في خطايا كثيرة” كانت في حضرة آدم الجديد، آدم الثّاني، الإله-المتجسِّد. لا مجال، هنا، للسّقوط بل خروج جديد من عبوديّة فرعون مصر-الأهواء مع المخلِّص-المسِّيَّا. هي أتت كعادتها للتّجربة، والرَّبّ بشهوتها اصطادها وبخداعها التفّ على مكر الحيّة الّتي أغوتها. المعلِّم-المسيَّا أتى خصِّيصًا لأجلها، لينتشلها من براثن إبليس عدوّ الإنسان، وليخلِّص بطُعم شِصِّها أهل السّامرة…

البشر يحبّون عيشة السّامريِّين لأنّها، كما يقول المثل، “إِجِر بالبُور وإِجِر بالفلاحة”… هم يعبدون الله ويعبدون آلهة أهواءهم، يلتزمون الشّريعة ويطيعون نزواتهم، وكأنّهم يرضون الله وأنفسهم. العليّ يمجّ هذا المسلك، كما هو واضح في الكتب (راجع مثلًا: تثنية 30: 15 ورؤيا 3: 15—16)، لأنَّك إمّا تكون مع الله أو ضدّه، لا يوجد خيار ثالث… والبشر لأنّهم لا يريدون أن يدفعوا ثمنًا سوى لصنع الخطيئة فهم يتهرَّبون من تحقيق وجودهم، إذ يلتوون في حِفظ الكلمة الإلهيّة غافلين أنّها هي حياتهم (راجع مثلًا: تثنية 32: 47 ويوحنا 1)…

*             *             *

“هَلُمُّوا انْظُرُوا إِنْسَانًا قَالَ لِي كُلَّ مَا فَعَلْتُ. أَلَعَلَّ هذَا هُوَ الْمَسِيحُ؟” (يوحنّا 4: 29) …

هكذا هرعت المرأة السّامريّة إلى بلدتها تصيح وتُخبِر بفرح العارِف الحقَّ، والغير مستحقٍّ لِنَقْلِهِ (بسبب سيرتها المُخزِيَة)، لتُبَشِّرَ أبناء جنسها بمجيء المسيَّا المُنتَظَر وبحضور المُحَرِّر من نير الخطيئة، ومصدر الحياة في النّور والفرح والمغفرة … هذا كلّه اختبرته في حوارها مع الرّبّ الّذي انتشلها من الجبّ الّذي كانت غارقة في أوحاله وغسلها بماء الحياة الأبديّة بكلمته مكسِّرًا أغلال قلبها وفاتحًا له على نور الحقيقة الإلهيّة …

سمعت المرأة ما لم يَقُلْهُ المخلِّص بلسانه لأنّها تلقَّفت تمتمات روحه، فعرفت أنّها محبوبة رغمما تتمرَّغ به من أوحال الخطيئة في خَنزِيريَّة الشَّهوة، وأنّه لأجلها أتى “لِكَيْ يُقَدِّسَهَا، مُطَهِّرًا إِيَّاهَا بِغَسْلِ الْمَاءِ بِالْكَلِمَةِ” (أفسس 5: 26) … كان مقبوضًا عليها من أهوائها في نفسها فتحرّرت من ذاتها لمّا عرفت أنّ الرب، رغم كلّ ما هي فيه، لم يتركها وما زال متمسِّكًا بها… لا بل هو يطلبها … (راجع حزقيال 16).

*             *             *

أيّها الأحبّاء، الله يطلب كلّ واحد منّا. لا نظنَّنَّ بأننا نحن من نبحث عنه لنجده، العكس صحيح لأنّ الرّبّ ينتظر الوقت المناسب ليجدنا حين نكون مستعدِّين لاستقباله… نحن من نقرِّب وقت اللُّقيا أو نؤجِّله… كيف يكون هذا؟!… بكُرْهِنا لمسيرة الفتور والعَرْجِ بين طريق الرَّبّ وطريق العالم… هذان الطريقان لا يلتقيان… إذا لم يَقْرَف الإنسان من نجاسة أفكار قلبه وتقلّب نواياه وأفعاله ويرغب بأن تُفَكّ قيود فرحه من مزاجيّة الشّهوات الغضبيّة لا يأتي الرَّبّ إليه لأنّه غير قابِل لربّه وتلمُّس حضوره وحنانه…

إلهنا يطلبنا كما يطلب العاشق معشوقه، وليس لنا سوى الحبّ سبيلًا إلى معرفته وبابًا للحرّيّة الحقّانيّة وأيقونة للشّهادة له، لأنّ قيامتنا تتحقَّق حين نحبّه، ونحن نحبّه عندما نحفظ وصاياه، ومتى حفظناها سكن فينا هو وأبيه وروحه القدّوس…

المرأة السّامريّة في شوق شهوتها كانت تتشوّف إلى لقيا الحبيب الّذي يُشبع كيانها ويحرّرها من كلّ نير الجسد، كانت توّاقة لتموت عن حياتها المملوءة بإشباع هوّة الخوف والقلق الكيانيّين، الّتي لا تُردَم، لتقوم إلى حياة جديدة ملؤها الارتواء من خمر الحبّ اللّانهائيّ… أتى إليها “ينبوع الماء الحيّ” الّذي يُشبِع ويروي كيان الإنسان، لأنّ هذا الأخير مخلوق على صورته وهو يطلبه كما يطلب الرّضيع أمّه باستمرار…

القيامة تحصل فينا حين نلقى الرّبّ في وصيّته في كلمته وفي روحه، في زمن التّجربة الشّديدة القسوة، لأنّنا حينها نكون مدركين أكثر من أي وقت حاجتنا إليه…

لا تخافوا، الرَّبّ يطلبنا كما طلب إبراهيم واسحق ويعقوب، وموسى وإرمياء ويونان … والمخلّع والسّامريّة و… هل استعدّينا للُقياه؟! …

ماران اثا

+ أنطونيوس

مـتروبوليــت زحلة وبعلبك وتوابعهـما

مواضيع ذات صلة