نشرة كنيستي- أحد الفصح العظيم المقدَّس- العدد 16
الأحد 19 نيسان 2020
كلمة الرَّاعي
رَجَاءُ الْخَلِيقَةِ
“هذا هو اليوم الّذي صنعه الرَّبّ” (مزمور 118: 24)
النّسوة المفجوعات من الطّريقة الّتي قُتل بها “المعلّم”، ورغم الخوف الّذي سيطر على تلاميذ الرّبّ يسوع المسيح، لم تجزعن لا من الظّلام قبل السّحر العميق، ولا من حرَّاس القبر وأسيادهم، فذهبن باكرًا جدًّا مسرعات لتتمّمن عمل المحبّة وإكرام الميت، إذ أردن أن تطيِّبن جسد الـ”رابّوني”، لكنّهن لم يجدن الجسد المأثور … كان القبر فارغًا … اين اختفى “المعلّم”؟! … هل سُرِق جسد يسوع؟! … ما الّذي حدث؟! …
* * *
“هذَا هُوَ الْكَلاَمُ الّذي كَلَّمْتُكُمْ بِهِ وَأَنَا بَعْدُ مَعَكُمْ …” (لوقا 24: 44). أنبأ الرّبّ يسوع تلاميذه بأنّه ينبغي لابن الإنسان أن يتألّم ويرذل من شعبه والرُّؤساء ولكنّه سيقوم في اليوم الثّالث. من كان يصدّق أنّ ميتًا يقوم بعد كلّ ما مرّ به يسوع من تعذيبات وسياط وصلب … هذا أمر مستحيل! … لكن، ليس على سيّد الحياة والموت، على خالق السّماء والأرض … هذا ما خَلَقَنَا الله لأجله … الحياة بالمطلق! … لأنّ الله هو الحياة. قيامة الرَّبّ يسوع بالجسد هي التّحقيق الكلّيّ لقيامة البشريّة في اليوم الخير فيه. بالنّسبة لنا، كمؤمنين بالرّبّ يسوع المسيح القائم من بين الأموات، موت الجسد لم يعد مأساة البشريّة لأنّ دواءه صار متوفِّرًا وهو القيامة في اليوم الأخير. الخطورة، على هذا النّصر النّهائيّ على الموت الجسديّ، تأتي من الموت الرّوحيّ أي من عبادة الذّات … نعم، مشكلة الإنسان أنّه يعبد نفسه معتبرًا أنّ كلّ هذه الحياة هي لأجله ولأجله فقط. ما معنى هذا؟! هذا يعني أنّ الإنسان يريد أن يسخِّر كلّ شيء لأجل انوجاده في ما يُشْعِرُهُ بأنّه قابضٌ على الحياة، أي الآخَر والخليقة، والآخَر بالمُطلق هو الله الّذي يمكن للإنسان أن يجعل من صورة إيمانه به الكاذبة وسيلة لتأليه ذاته أو بالعكس يمكن أن يجعل من رفضه له ولوجوده أداة لتسييد ذاته …
* * *
“فَإِنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ الْخَلِيقَةِ تَئِنُّ وَتَتَمَخَّضُ مَعًا إِلَى الآنَ. وَلَيْسَ هكَذَا فَقَطْ، بَلْ نَحْنُ الّذينَ لَنَا بَاكُورَةُ الرُّوحِ، نَحْنُ أَنْفُسُنَا أَيْضًا نَئِنُّ فِي أَنْفُسِنَا، مُتَوَقِّعِينَ التَّبَنِّيَ فِدَاءَ أَجْسَادِنَا” (رومية 8: 22 – 23). رجاء الخليقة والبشر هو افتداء أجسادنا بالقيامة العامّة، لأنّ الخليقة المنظورة وغير المنظورة هي في الإنسان، والإنسان في المسيح والمسيح قام، ولذلك الكلّ إلى قيامة في المسيح، حيث الخليقة الجديدة الّتي صورته فيها مُحَقَّقة أبدًا …
لقد تفتّحت أبواب الجحيم … بعد قيامة يسوع لا يستطيع إبليس القبض على البشر المتلصقين بالله، فقط أولئك الّذين رفضوا الخلاص بمسيح الرّبّ يبقى له (أي لإبليس) عليهم سلطان، هؤلاء هم مَن يسلكون ضدّ المحبّة الّتي كشفها الرّبّ يسوع على أنّها الحياة الأبديّة. من يحبّ الرّبّ يحبّ الإنسان، ومن لا يحبّ الإنسان لا يمكنه أن يحبّ الرّبّ، وما عدا ذلك كلام باطِل …
* * *
أيُّها الأحباء، زمن الخوف ولَّى لأنَّ سيِّد الوجود منح المؤمنين به الغلبة على الموت بالقيامة. لقد دخلنا زمنًا جديدًا، زمن الحبّ الإلهيّ الّذي هو الله، الّذي هو الرَّبّ يسوع المسيح والّذي هو الرّوح القدس. من أُسِر من هذا الحبّ السّماويّ يتحرَّر من كلّ قيد نفسيّ وجسديّ لأنّه يصير كلّه روحًا من روح الله وفيه بالمسيح القائم من بين الأموات.
المشكلة أنّه يوجد بشر يرفضون هذا الإله-المحبَّة، يتمسَّكون بعتاقتهم، بأفكارهم، بمشيئتهم، بتمحورهم حول نفسهم … هؤلاء وضعهم صعب ومؤلم لأنّهم لن يجدوا راحة … لا راحة خارج الحبّ غير المشروط … هذه هي حقيقة القيامة في حياتنا، فهل نحتملها؟! … أم هي صليب لعقولنا ولمشاعرنا وأحاسيسنا الّتي تتحكّم بنا؟! …
المسيح قام، فلا أحد بعد في العتاقة إذ كان له أمّا الّذي يرفضون قيامته فهم يرفضون عمل الرّوح القدس فيهم أي قوّة الحبّ الإلهيّ …
قيامة المسيح دعوة لنا إلى طلب الموت عن هذا العالم، لأنّه بغير هذا لا نستطيع أن نشاركه قيامته …
ومن له أذنان للسَّمع فليسمع …
+ أنطونيوس
مـتروبوليــت زحلة وبعلبك وتوابعهـما