Menu Close

نشرة كنيستي- الأحد (5) بعد العنصرة- العدد 30

25 تمّوز 2021

كلمة الرّاعي 

روح الله يغلب روح العالم

“وَنَحْنُ لَمْ نَأْخُذْ رُوحَ الْعَالَمِ، بَلِ الرُّوحَ الَّذِي مِنَ اللهِ،

لِنَعْرِفَ الأَشْيَاءَ الْمَوْهُوبَةَ لَنَا مِنَ اللهِ” (1 كو 2: 12)

المسيح الإله أتمّ كلّ شيء لأجل أن يهبنا الحياة الأبديّة، وليست الحياة الأبديّة سوى أن نعرف الله الآب وابنه يسوع (راجع يو 17: 3)، ويسوع لم يتركنا يتامى لأنّه ارتفع عنّا بل أرسل لنا روحه القدُّوس “رُوحُ الْحَقِّ الَّذِي لاَ يَسْتَطِيعُ الْعَالَمُ أَنْ يَقْبَلَهُ، لأَنَّهُ لاَ يَرَاهُ وَلاَ يَعْرِفُهُ،وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتَعْرِفُونَهُ لأَنَّهُ مَاكِثٌ مَعَكُمْ وَيَكُونُ فِيكُمْ” (يو 14: 17).

المؤمن، في العالم، لا يقدر أن يكون من العالم لأنّه حين وُلد من جرن المعموديّة صار ابنًا للملكوت السّماويّ ومواطنًا مع القدِّيسين، أي له أخلاق أبناء السّماء وليس هو ترابيّ لأنّه بالمسيح صار روحيًّا.

روح العالم هو روح الشّيطان الَّذي يسبينا بالخطيئة والذّنوب إلى الموت الرّوحيّ فيجعلنا أبناء العصيان. هذا ما صنعه إبليس لمَّا أغوى آدم وحواء وغرَّهما بكذبة التّألّه الذّاتيّ فجعلهما خائنَين لمحبّة الله وأمانته.

*          *          *

“رُوحُ الرَّبِّ عَلَيَّ، لأَنَّهُ مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ، أَرْسَلَنِي لأَشْفِيَ الْمُنْكَسِرِي الْقُلُوبِ، لأُنَادِيَ لِلْمَأْسُورِينَ بِالإِطْلاَقِ ولِلْعُمْيِ بِالْبَصَرِ، وَأُرْسِلَ الْمُنْسَحِقِينَ فِي الْحُرِّيَّةِ…” (لو4: 18 وراجع إش 61: 1).

حيث روح الرَّبّ فهناك الحرّيّة والفرح والتّعزية والشِّفاء والسَّلام، لأنّ الله هو مصدر “كُلُّ عَطِيَّةٍ صَالِحَةٍ وَكُلُّ مَوْهِبَةٍ تَامَّةٍ” (يع 1: 17). مَنْ كان للرَّبِّ يقتني صفاته بروحه القدُّوس. لا يقدر أن يكون الإنسان مؤمِنًا ويسكت عن ظُلْمٍ أو باطل، ولا يستطيع أن يقبل بالجهل والغباوة، ولا يُحابي الوجوه ولا يستقوي بإنسان. هو كلّه لله في العقل والقلب وفي الفكر والقول وفي العمل والفعل. هاجسه خدمة المُحتاج وتشديد الضَّعيف وتعزية الحَزين وعضد المتألّم وتحرير المُستَعبَدين لسَلاطين الظُّلمة وأرواح الشَّرّ الّتي في الهواء (راجع أف 6: 12).

*          *          *

أيُّها الأحبَّاء، “بِمَا أَنَّكُمْ أَبْنَاءٌ، أَرْسَلَ اللهُ رُوحَ ابْنِهِ إِلَى قُلُوبِكُمْ صَارِخًا: ”يَا أَبَا الآبُ” (غل 4: 6). من عرف ذاته ابنًا لله يعيش بمقتضى هذه البنوّة، ويعرف أنّ له سلطانًا، من فوق، ليغلب العالم وما في العالم من شرّ، لأنّه يختبر هذه الغلبة في قلبه، أوَّلًا، حين يتوب عن ذاته ليقوم في الله، وثانيًا، حين يموت عن نفسه ليَحيا في الآخَر ويصير الآخَر حياته. فبهذا “نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّنَا قَدِ انْتَقَلْنَا مِنَ الْمَوْتِ إِلَى الْحَيَاةِ، لأَنَّنَا نُحِبُّ الإِخْوَةَ…” (1 يو 3: 14).

وكيف نحيا هذه المحبّة؟!… حين نعرف في أعماق كياننا أنَّنا محبوبون من الله، رغم كلّ ما فينا من ضعف وخطيئة، لأنَّ صورة الله فينا حاضِرة ولم تَزُلْ بل تجدَّدت بماء المعموديّة، وتتجدَّد فينا وتتنقّى بالتّوبة والأسراروالغَسْلُ بعِشْرَة الكلمةِ الإلهيّة،فنقتني حينها السّلام الدَّاخليّ والرَّاحة والفرح والرِّضى والقناعة، وننطلقلنخدم ونبذل ونعطي ونشارك ونتعاون ونتعاضد،إذ ننبذ حبَّ الرِّئاسة ونتمسَّك بروح الوداعة والتّواضع، غير طالبين شيئًا بالمُقابِل إذ نعلم “أَنَّنَا إِنْ عِشْنَا فَلِلرَّبِّ نَعِيشُ، وَإِنْ مُتْنَا فَلِلرَّبِّ نَمُوتُ. فَإِنْ عِشْنَا وَإِنْ مُتْنَا فَلِلرَّبِّ نَحْنُ” (رو 14: 8).

روح العالم هو روح الأخذ والانغلاق على الذَّات في طلب المَلَذّات، روح الله هو روح عطاء الذّات الكلِّيّوالانفتاح على الآخَر في طلب فرح لُقْيا الرَّبّ فيه. من لا يطلب وجه ربِّه في نفسه وفي الآخَر لن يلقاه في أيّ مكان آخَر. من لا يحبّ الله أي من لا يحفظ وصاياه لا يستطيع أن يعرف مقدار النِّعمة والخيرات الَّتي أُغدِقتْ عليه في المسيح، ومَنْ أَحَبَّ الله تحرَّر من العالم وغلبه لأنّ روح الله فيه وأمَّا “الرَّبُّ فَهُوَ الرُّوحُ، وَحَيْثُ رُوحُ الرَّبِّ هُنَاكَ حُرِّيَّةٌ …” (2 كو 3: 17).

ومن له أذنان للسّمع فليسمع…

+ أنطونيوس

مـتروبوليــت زحلة وبعلبك وتوابعهـما

مواضيع ذات صلة