نشرة كنيستي- الأحد قبل عيد الميلاد المجيد (أحد النِّسبة)- العدد 51
الأحد 20 كانون الأوَّل 2020
كلمة الرَّاعي
رسالة الميلاد
”لأَنَّهُ يُولَدُ لَنَا وَلَدٌ وَنُعْطَى ابْنًا، وَتَكُونُ الرِّئَاسَةُ عَلَى كَتِفِهِ، وَيُدْعَى اسْمُهُ عَجِيبًا، مُشِيرًا، إِلهًا قَدِيرًا، أَبًا أَبَدِيًّا، رَئِيسَ السَّلاَمِ…“ (إشعياء 9: 6)
تنبَّأ إشعياء عن ميلاد الرّبّ، وأخبرنا الكثير عن الآتي ”عمّانوئيل“ ليسكن بيننا ويكون لنا إلهًا ونحن شعبه. كلّ ما تحدَّث به الأنبياء عنه قد أتمّه. هو جاء ليهبنا ملكه الأبديّ وحياته وحبَّه… ”اَلشَّعْبُ السَّالِكُ فِي الظُّلْمَةِ أَبْصَرَ نُورًا عَظِيمًا. الْجَالِسُونَ فِي أَرْضِ ظِلاَلِ الْمَوْتِ أَشْرَقَ عَلَيْهِمْ نُورٌ“ (إشعياء 9: 2). لقد أشرق النّور فهيَّا يا مؤمنون، فلننهض من سُبات عبوديّتنا لـ ”شَهْوَةَ الْجَسَدِ، وَشَهْوَةَ الْعُيُونِ، وَتَعَظُّمَ الْمَعِيشَةِ“ (1 يوحنّا 2: 16). لا نَنَامَنَّ فيما بعد إلى ظلمة هذا الدَّهر. هذا النّور ليس موضوعًا فيزيائيًّا نتكلّم عنه، إنّه نور الحقّ في الحبّ الإلهيّ الّذي انكشف لنا في يسوع المسيح الإله المتجسَّد الظّاهر لنا طفلًا مضجعًا في مذود حقير في مغارة. بعيدًا عن نور المسيح الكون ظلام دامس لأنّ الله هو النّور والحياة. للأسف، ما زال الكثيرون يسلكون في الظّلمة ويجلسون في أرض ظلال الموت. البشرية تئنّ من المواتيَّة الّتي تحيا فيها. لا تجدُّد في حياة النّاس، بل انغماس من موت إلى موت بسبب انحراف البوصلة الوجدانيّة الكيانيّة الإنسانيّة في الإنسان المعاصِر. طغت روح الدَّهريَّة وقُتِلَت حياة القلب بحجة الحبّ نفسه، إذ تحوَّل الحبّ في منظومة الحياة الاستهلاكيّة إلى طلب للَّذَّة الذَّاتيَّة لأنّ الغاية هي إرضاء الإنسان نفسه، ومن خلال إرضائه لنفسه يتعاطى مع الآخَر. لم يعد موضوع الحبّ هو المحبوب بل الأنا. الأنا هي المحبوب، والـ“محبوب“ هو أداة استهلاكيّة لأجل الأنا.
* * *
المسيح أتى وأظهر لنا الآب والحقّ كلّه. من يؤمن بالإله المتجسِّد، بـ ”سرّ التواضع الأقصى“ وبـ ”سرّ التقوى“، لا تعود محبّته منغلقة على ذاته بل يكون منفتح الكيان لتلقُّف حضور الله وتجلّياته في الخليقة كلّها، وبالتّالي يصير مرتبطًا بسرّ الوحدة مع كلّ من وما هو موجود، لأنّ الله تجسَّد وهو متَّحد بخليقته في سرّ حبّه غير المدرك، من الَّذين يرفضون أن يقبلوه ملكًا على قلوبهم…
المسيح هو رأسنا ونحن جسده. لا قرار لنا من عندنا، بل ما يعطينا إيّاه نفعله. هو الفاعل فينا والعامل لأنَّنا ”به نحيا ونتحرَّك ونوجد“ (أعمال 17: 28). هو علّمنا بتجسُّده الاتّضاع الكلّيّ، وأنّ الحبّ لا قيود تكبّله لأنّه مصدر الحريّة الحقيقيّة والحقّانيّة. العالم بحاجة إلى الرّبّ يسوع لأنّه بحاجة إلى الحبّ. فما هو دورنا كمؤمنين بالمسيح الإله؟ أوصانا الرّبّ قائلًا: ”وَتَكُونُونَ لِي شُهُودًا فِي أُورُشَلِيمَ وَفِي كُلِّ الْيَهُودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ وَإِلَى أَقْصَى الأَرْضِ“ (أعمال 1: 8). شهودًا له بماذا؟!… بأنّه هو الإله وقد تنازل وأتى إلينا وشاركنا طبيعتنا البشريّة وعلّمنا كيف نصير بشرًا على قلب الله، ووهبنا القوّة والنعمة الَّتي تؤهّلنا لنحقِّق مشيئته فينا ونسلك بوصاياه الَّتي هي ”كلام الحياة الأبديّة“ (يو 6: 68).
* * *
أيُّها الأحبَّاء، يأتينا عيد الميلاد، هذه السّنة، ونحن محاطون بضيقات متعدِّدة من وباء كوفيد 19 إلى الوضع الاقتصادي والمالي المتدهور في البلد إلى خطر انهيار الدّولة والوطن … هذا كلّه بسبب فساد الحكام والشّعب، بسبب بعد البشر عن الحقّ والإيمان ومخافة الله ومحبّته. الخطيئة تجلب الدَّمار، ومن يتعلَّق بحبّ الدّنيا يخسر إنسانيّته لأنّه يعيش لأجل التّراب والرّماد.
نحن لسنا يائسين، إنّنا أبناء الرّجاء. المسيح الإله لم يأتِ إلَّا ليهبنا حياة أفضل في سرّ الحبّ الَّذي كشفه لنا في ذاته من المذود إلى الصَّليب في سرّ التّواضع والبذل الكلّيّ إلى أن مجَّدنا في ذاته بالقيامة والصُّعود والعنصرة، وسيمجّدنا أيضًا معه في مجيئه الثاني الرّهيب. من يختبر الحياة بدون المسيح ويعطيه الرّبّ أن يعرفه، يدرك أنّ الحياة لا تقوم إلّا في يسوع المسيح الظّاهر لنا طفلًا في مذود حقير ليرفعنا من واقعنا السّاقط ويهبنا حياته الأبديّة في سرّ اختبارها منذ الآن في سرّ المحبَّة الفاعلة بالّصلاة والعطاء والاتّضاع والوداعة والتّعهُّد ومشاركة الخيرات الرّوحيّة والمادّيّة والمسامحة والاستغفار والتّوبة…
الرَّبُّ يغلب فينا ويجدِّد عالمنا حين نقبل أن نولد منه في سرّ ظهوره لنا طفلًا، أي حين نقبل أن نُفرِغَ أنفسنا ممّا ليس منه لنتقبّل نعمته الَّتي تلدنا فيه على صورته ثابتين وأمناء للحقّ الإلهيّ أي لكلمته ووصيّته في أن نحبّ بعضنا بعضًا ليعرف العالم أنّنا تلاميذه (راجع يو 13: 35).
العالم يحتاج إلى المسيح، العالم يحتاج إلى المسيحييِّن ليصير مكانًا أفضل. فقط يسوع عَلَّمَنَا الحبّ ووهبنا سرَّه بنعمته الإلهيّة. من ينغلق على ذاته وحاجاته وملذّاته ومقتنياته وأفكاره وجماعته يكون كهيرودس الَّذي يطلب قتل المسيح الملك المولود طفلًا لأنّه يخاف على ملكه.
ميلاد المسيح حرَّرَنا، وأطلقَنا في حياة جديدة ملؤها نور الحبّ الّذي يطرد ظلمة البغضاء ومعرفة الحقّ الّتي تعتق الإنسان من شرّ الباطل ونعمة التّواضع الّتي تطهِّر القلب والكيان من رجاسة الكبرياء.
دعاؤنا، اليوم، إلى طفل المغارة أن يرفع، عنّا وعن بلادنا وعن العالم أجمع، كلّ ضيقة ويَهدي الحكّام إلى السّلوك في الحقّ وإنصاف المسكين والبائس واليتيم والأرملة والموظّف والعامل وصاحب المؤسّسة…، وأن يقوموا بما أُعطي لهم من فوق أن يتمّموه لئلّا يجلبوا على أنفسهم وذريتهم هلاكًا وتأديبًا بسبب عنادهم وصلفهم وأنانيّتهم.
ميلاد مجيد بتجدُّد قلوبنا وأفكارنا وسلوكنا وحياتنا وعالمنا على صورة ومثال الإله المتجسِّد …
+ أنطونيوس
مـتروبوليــت زحلة وبعلبك وتوابعهـما