Menu Close

نشرة كنيستي- الأحد 15 من لوقا (زكّا)- العدد 4

الأحد 25 كانون الثَّاني 2026

كلمة الرّاعي 

رحمة الله وتوبة الإنسان

“اليوم ينبغي لي أن أمْكُثَ في بيتك” (لو 19: 5)

هل كان يتصوّر زكَّا العشَّار أنّ حياته ستتغيَّر بالكُلِّيَّة في يومٍ من الأيَّام؟!… وأنَّه سيترك العِشارة ويخرج من جُبِّ أوساخها؟!… وأنَّ الله سيزور بيته؟!… هذا كلّه كالحلم المستحيل الَّذي يتحقَّق في لحظة رحمة إلهيَّة لا حدود لها…

كثيرًا ما يكون الإنسان مِنّا عالقًا غارقًا في رمال متحرّكة تبتلعه قليلًا قليلًا إلى أن يصير في موقعٍ لا يَقوى فيه على الخروج منها. هو يدخلها بمشيئته ظانًّا أنّه قادرٌ حين يشاء أن يتركها غير عالم أنَّ دخولها ليس كالخروج منها. هكذا يقع الإنسان في حياته فريسة نفسه وأهوائه وأطماعه وكبريائه، وحين يعلق في حُبِّ المال يَصير قاسي القلب لا يرحم، والمال يعطيه سُلْطَةً ومراكزَ، وهذه تجعل العديد من أصحاب المصلحة يتحلَّقون حوله ويتزلَّـمون ويتزلَّفون له… حينها، إذا استسلم للَّذَّة شعوره بالتَّفوُّق والأمان يزداد غِيًّا وضلالةً وظلمًا، ويثبّت قوانينه الخاصَّة الَّتي تجعل مصلحته وسلطته وسيطرته فوق كلِّ شيء وتُبيد كلَّ مَن يقف ضدَّها… عندذاك يصير القلب مظلمًا بأهواء وأفكار وأفعال الضَّلالة ويصير الإنسان بعيدًا أكثر فأكثر، يومًا بعد يوم، عن صورة الله الَّتي فيه وتُحجِّر أرض قلبه… لكن، “حيٌّ أنا يقول السَّيِّد الرَّبّ، إنّي لا أسرّ بموت الشِّرّير، بل بأن يرجع الشِّرّير عن طريقه ويَحيا. ارجعوا، ارجعوا عن طرقكم الرَّديئة، فلماذا تموتون يا بيت إسرائيل؟” (حزقيال 33: 11)…

*             *             *

زكَّا كان رئيسًا للعشَّارين، وكلمة “عَشَّار” هي ترجمة للكلمة اليونانيَّة telónés وتعني “جباية الضَّرائب” أو “مزارع الضَّرائب”. في النِّظام الرُّومانيّ، كانت الضَّرائب تُلَزَّم لمقاوِلين أثرياء، وهؤلاء يوظِّفون عَشَّارين مَحَلِيِّين لجمعها. كان العشّارون يُضيفون رُسومًا إضافيَّة لأنفسهم، ممَّا جعلهم أغنياء على حساب الشَّعب. لأنَّهم تعاوَنوا مع السُّلطة المحتَلَّة، وارتبط عملهم بالابتزاز، صاروا يُعتَبَرون خطاة وخَوَنَة. زكَّا، إذن، كان أحد الأثرياء الَّذين لزَّمَهم الرُّومان جبايةَ العُشور من الشَّعب اليهوديّ، وكان لديه عَشَّارين موظَّفين يجمعون له الضَّرائب للرُّومان. إذًا، ماله، كان يُعتَبر في الشَّريعة، مالَ ظلم وهو نفسه يُعتَبر شريكًا في ظلم العشَّارين أتباعه. موقعه هذا، طبعًا، جعل له نفوذًا عند السُّلْطَة وأصحاب المقامات، لكن في نفس الوقت كان محتقَرًا من شعبه لأنَّه خائنٌ خاطئ وظالم. ومع ذلك، ربّما كان يوجد الكثيرون ممَّن يتودَّدون إليه كونه صاحب نفوذ وسلطة مال… هذا هو العالم، وهذا هو التَّناقُض الحاصِل فيه، ويوجد الكثير من النُّفوس الضَّعيفة الَّتي تلهث وراء مصالحها مسكِّتَتةً ضمائرها، لأنَّه كما يقول المثل العاميّ في بلادنا: “اليَد الَّتي لا تقدر عليها قَبِّلْها وادعِ عليها بالكسر”، أي يمكن أن يتعاطى الإنسان برِياءٍ غاضًّا النَّظر عن أمورٍ كثيرة لا يقبلها أو يدينها لأجل مصلحته…

رغم كلّ ما سبق، يبدو أنّه كان ما زال يوجد لدى زكَّا شيء من الخير بداخله، كان ما زال يبحث عن الحَقّ ويُريد فرصةً من الله ليعود إليه. الرَّبُّ “فاحص الكِلَى والقلوب” (راجع إر 17: 10؛ مز 7: 9؛ رؤ 2: 23) وهو وحده يعرف خفايا الإنسان، كان عالمًا بما في زكّا من حيرة وشوق، من رغبةٍ بالتَّغيير وخوف من الفشل، من ضعفٍ وقوّة، ومن إمكانيّة وإرادة، لذلك اقتنص الرَّبُّ اللَّحظة المناسبة ليُنادي هذا الرَّأسماليّ الظَّالِم باسمه فيُدخل في كيانه طاقةً من الحُبّ والخوف لم يكن يحلم زكّا في كلِّ حياته أن يختبرها، إذْ رأى نفسه معروفًا مفضوحًا مطلوبًا ومرحومًا … محبوبًا!… ففتح كيانه صوتُ يسوع الحازم والحنون “اليوم ينبغي لي أن أمْكُثَ في بيتك” وفتفت  تحجُّر قلبه وأعاد إليه الحياة والنُّور… “فأسرع ونزل وقبله فرحًا”…

*             *             *

يا أحبَّة، ملذَّات وهموم الحياة تُقَسِّي القلب الَّذي يستسلم للأهواء الكامنة فيها فيَقَع في أبشع الذُّنوب الَّتي يكرهُها الرَّبّ: “هذِهِ السِّتَّةُ يُبْغِضُهَا الرَّبُّ، وَسَبْعَةٌ هِيَ مَكْرُهَةُ نَفْسِهِ: عُيُونٌ مُتَعَالِيَةٌ، لِسَانٌ كَاذِبٌ، أَيْدٍ سَافِكَةٌ دَمًا بَرِيئًا، قَلْبٌ يُنْشِئُ أَفْكَارًا رَدِيئَةً، أَرْجُلٌ سَرِيعَةُ الْجَرَيَانِ إِلَى السُّوءِ، شَاهِدُ زُورٍ يَفُوهُ بِالأَكَاذِيبِ، وَزَارِعُ خُصُومَاتٍ بَيْنَ إِخْوَةٍ” (أم 6: 16 – 19). مَن يطلب مصلحته فوق كلِّ شيء يقع في هذه الخطايا لأنَّ القاعدة عنده “أنَّ الغاية تُبَرِّر الوسيلة”. هكذا كان العشَّارون لأنَّ مَعيشتهم كانت مَبنيَّةً على مال الظُّلم الَّذي يُحَصِّلونه فوق الضَّريبة المطلوبة للمحتلّ، وهكذا يكون كلّ إنسان ليست مخافة الله أمام عينَيه. أمّا زكَّا فقد اصطاده الرَّبُّ في اللَّحظة الَّتي عرفها هو وانتشله من فم الأسد. تلقَّف زكّا رحمة الله اللَّامتناهية وانتفض على نفسه، فكانت توبته علنيّة، وهي كانت اعترافًا بخطيئته ووعدًا بتنقية مسيرته عبر إتمام ما تأمر به الشَّريعة للإنصاف من ظلم، “وإنْ كنتُ قد غبَنْتُ أحدًا في شيءٍ أردُّ أربعةَ أضعاف”…

هذه هي التَّوْبة الحقيقيَّة اعترافٌ عَلَنيّ، ندم، وتغيير حياة وتصحيح مسار وتعويض عن الأذى بمثابة عربون على الرَّغبة بالتَّحوُّل من عبدٍ للعالم إلى عبد لله، في المسيرة نحو حرِّيَّة أبناء الله، عبر طاعة الوَصيَّة وتطيهر القلب والسِّيرة، حتَّى يصير المسيح الكلّ في الكلّ، في القلب والفكر والعقل والحياة…

ومن له أذنان للسَّمع فليسمع…

+ أنطونيوس

متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما

مواضيع ذات صلة