Menu Close

نشرة كنيستي- أحد الابن الشّاطر- العدد 9 

28 شباط 2021   

كلمة الرّاعي

رحمة الله وأحكام البشر

 

هذا الأحد الثّاني من آحاد التّريودي التّحضيريَّة للصَّوم الكبير يُحدِّثنا عن مثل الابن الشّاطِر أي الَّذي شطر ميراث أبيه وفطر قلبه.

من يقرأ هذا المثل يستهجن تصرُّف هذا الابن الضّال ويستغرب موقف الأب المُتسامِح ويتعاطف مع الابن الأكبر الَّذي يظهر وكأنّه مظلوم بسبب رحمة أبيه لأخيه.

نحن أمام ثلاث مواقف: أبٌ يحبُّ حتَّى التَّخلِّي الكامل عن نفسه وحقوقه وحياته إزاء مشيئة ابنه الصَّغير. وابن فتيّ مفتون بجمال الجسد وملذاته ويرى حرّيّته في استجابة رغباته من خلال التّحرُّر من كلّ قيد نفسيّ أو عاطفيّ أو عائليّ أو بيئيّ (أي ما يختصُّ بالمنطقة الّتي يعيش فيها)، هذا من ناحية، وبواسطة سلطة المال الّتي تستطيع أن تشتري له ”السّعادة“ العالميَّة، من ناحية أخرى. وأخ أكبر مطيع لأبيه وكلّ ما لوالده هو له ولا يشعر أنّه يملك شيئًا في نفس الوقت، ويشعر بالظّلم بسبب رحمة أبيه لأخيه الفاسق والفاسد…

هل كان موقف الأب سليمًا حين وافق على مطلب ابنه الأصغر بتقسيم ميراثه على أولاده أي أن يقبل بأن يُعتَبَر ميتًا وهو ما زال حيًّا؟ وهل بقبوله لابنه الفاسد وإعادته إلى مرتبته البنويَّة كان عادلًا ومنصِفًا تجاه ابنه الأكبر؟!…

*          *          *

في ذلك الزّمان، كان للابن البكر حصّة الثّلْثَيْن من ميراث والده ويحقّ للابن الأصغر بالثّلث. ولكن، طالما بقي الابن البكر مع والده يبقى الأب هو الوحيد الّذي له حقّ التَّصرّف بما يملك الابن الأكبر. لذا، نرى بأنّ من بقي أمينًا لأبيه ورفض أن يتركه، أي يقتله في نفسه ويعتبره ميتًا وهو ما زال حيًّا، خسر من المنظور المادّيّ لأنّه وإن كان ميراثه معلومًا لديه ومثبّت الحقّ إلّا أنّه غير قادر على التّصرُّف به. الأكثر من ذلك أنّه عندما عاد الأخ الأصغر وقبله الأب وألبسه الحلّة الأولى والخاتم وأنعل رجليه ردّه إلى مقامه كابن ووارث له أيضًا، أي صار من جديد شريكًا في ميراث أخيه الأكبر!…

بشريًّا، نحن نرفض موقف الأب لأنّه غير عادل مع ابنه الأكبر لا بل، ربّما، يظهر وكأنّه ظالم. كما نعتبر موقفه من الابن الأصغر استفزازيًّا لكونه هو يركض إليه ويلقي بنفسه على عنقه وكأنّ هذا الابن لم يقتل أبيه أو يرفضه أو يؤلمه!… ننزعج لأنّ الأب لم يوبِّخ الابن الفاسِد ولم يسائله ولم يؤدّبه ولم يطلب منه شيئًا للتّكفير عن جريمته تجاهه!، وهو كما يظهر رجل مقتدر له مقام كبير!…

يطرح علينا هذا المثل سؤالًا خطيرًا وهو: هل جزاء من يطيع الحرمان من حقوقه ومن التَّعزيات، ومن يعصـى يأكل حقّه وحقّ غيره دون حساب؟!… أين العدالة؟!… أين الحقّ؟!…

*          *          *

”لِيَتْرُكِ الشِّرِّيرُ طَرِيقَهُ، وَرَجُلُ الإِثْمِ أَفْكَارَهُ، وَلْيَتُبْ إِلَى الرَّبِّ فَيَرْحَمَهُ، وَإِلَى إِلهِنَا لأَنَّهُ يُكْثِرُ الْغُفْرَانَ. لأَنَّ أَفْكَارِي لَيْسَتْ أَفْكَارَكُمْ، وَلاَ طُرُقُكُمْ طُرُقِي، يَقُولُ الرَّبُّ. لأَنَّهُ كَمَا عَلَتِ السَّمَاوَاتُ عَنِ الأَرْضِ، هكَذَا عَلَتْ طُرُقِي عَنْ طُرُقِكُمْ وَأَفْكَارِي عَنْ أَفْكَارِكُمْ…“ (إشعياء 55: 7- 9).

رحمة الله لا حدود لها، غفرانه لا يمكن تصوّره بالعقل البشريّ. الله محبَّة أي هو يريد خلاص خليقته كلّها. هو أتى بذاته في الابن المتجسِّد وحمل أوجاعنا وخطايانا على عاتقه وفي جسده لكي يحرِّرنا من قيود المحدوديَّة البشريَّة ويطلقنا في رحاب اللَّانهائيّ بمحبّته الّتي لا يُستقصـى أثرها وتواضعه الَّذي لا يُسبَر غوره وحنانه الَّذي يغسل القلوب من كلّ وسخ وشائبة…

هذا المثل الإنجيليّ غايته أن يمنحنا رجاء أمام حقيقتنا السّاقطة ويدخلنا في سرِّ الحبّ الإلهيَّ الَّذي كشفه لنا الرَّبّ يسوع المسيح في حياته وموته وقيامته وصعوده وإرساله روحه المُعزّي ليسكن فينا عربونًا لملكوت الدّهر الآتي الَّذي ننتظره في مجيء الرَّبّ الدَّيان بحسب أحكامه غير المعلومة عندنا ولكن المملوءة رحمة.

من يحيا لله فليفرح بعطيَّة البنوّة وليعش كابن ووارث للعليّ، مستثمرًا ميراث النّعمة الإلهيَّة لتحقيق صورة الله فيه. لا نصنعنَّ كالابن الأكبر الَّذي كان له كلّ شيء ولم يسلك كابنٍ ووارثٍ بل بقي سالكًا كعبدٍ، أو كالابن الأصغر الَّذي استكبر على الله أبيه ورفض حبّه المحرِّر من عبوديَّة الخطيئة فسلك وراء ”كلام الكذب“ (إرمياء 7: 4) الَّذي بثّه إبليس في قلبه ضدَّ أبيه فصار عبدًا نجسًا فاسقًا يحيا في خنزيريَّة أفكاره وشهوات جسده…

الرَّبّ يدعونا دومًا: ”أَصْلِحُوا طُرُقَكُمْ وَأَعْمَالَكُمْ“ (إرمياء 7: 3). الكنيسة تدعونا اليوم إلى التّوبة والرّجوع إلى حقيقتنا أنّنا أبناء العليّ وورثته، فهل ندرك ماهيَّة هذه النّعمة المُعطاة لنا فنسلك كبني الملكوت؟!… الزّمن الآتي فرصتنا للعودة إلى أحضان الآب… هل من يريد؟!…

+ أنطونيوس

مـتروبوليــت زحلة وبعلبك وتوابعهـما

مواضيع ذات صلة