Menu Close

نشرة كنيستي- الأحد (12) من لوقا (ال10 برص)- العدد 3

الأحد 19 كانون الثَّاني 2020

كلمة الرَّاعي

دعوتنا الشّخصيّة

الرَّبّ يَدعو كلّ إنسان باسمه، لأنّه “الرّاعي الصّالح”، “والرّاعي الصّالح يعرف خرافه بأسمائها”. لا يتعاطى اللّه مع البشر بالجملة، بل لكلّ شخصٍ علاقة خاصّة معه، لأنّ المحبّة فيها تمايُز في العلاقات وليس تمييز. هذا ما نراهُ في علاقة الرَّبّ يسوع مع تلاميذه، إن كان في اختيارهم أو في التّواصل معهم. تَمايُز العلاقة في المحبّة يَعتَمِد على الطّرَفَيْن، لأنّ الإزائيَّة في المحبّة هي الأساس. اللّه بمحبته للإنسان لا يُلغيه ولا يُذيبه فيه، بل يَطلب أن يوحِّدَه معه أو يتَّحِد به مع الحِفاظ على كينونته واستقلاليّته. هذا يأتي من سِرِّ الثّالوث، حيث تمايُز الأقانيم لا يصنع انقسامًا ووَحدتهم لا تقوم على الذّوبان، ومن سِرّ التّجسّد حيث اتّحاد الطّبيعتين الإلهيّة والإنسانيّة لا يصنع اختلاطًا، ولا تمايُزهما يقوم على الانفصال.

*        *        *

الرَّبُّ يدعونا جميعًا، أي كلّ البَشر، إلى القداسة. منذ البدء أراد للإنسان أن يَصيرَ شَبيهًا به، لذلك خلقه على صورته مانحًا إيّاه كلّ الطّاقات الكامِنة لِيَتشبّه به من خلال الطّريق الّذي أراه إيّاه، أي الحرّيّة في اتّباع اللّه بِطاعة الوَصِيّة حُبًّا وليس إكراهًا. اللّه خَلَقَنا للحياة الوافرة بِغِنى حنانه الإلهيّ الّذي لا ينضب ولا يُسبَر غوره. كلّ علاقة بين اللّه والبشر غايتها الدّخول في سِرِّ الحَنان الإلهيّ. هذا هو التّألّه. لكن لا يصل الإنسان إلى هذا المُبتغى إلّا عندما يدخل في علاقة حُبّ شخصيّة مع اللّه. معرفة اللّه هي محبّته الّتي تؤدّي إلى الوحدة معه والاتّحاد به. هو “أحبّنا أوّلًا”.

*        *        *

“قد أخطأنا وأثِمنا وما صَنَعنْا ما أمَرْتنا به. لكن، لا تخذُلنا إلى الانقضاء يا إله آبائنا”.

مُشكلة الإنسان أنّه ما لَم يَعتَرِف مِن أعماق قلبه أنّه يرفض اللّه عندما يستسلم لِخَطاياه، فهو لن يستطيع أن يحبّ ذاته حُبًّا حقيقيًّا، لأنّ درب الخطيئة هو تدمير للذّات وللعلاقة مع اللّه ومع الوُجود بِرمّته. الإنسان بتكوينه مَشدود نحو الحياة، لكن عندما ضاع محور حياته عن عينيه، أي اللّه، صار مُتَمَحْوِرًا حول نفسه، يَقتاتُ ذاته، وذاته عَدَم دون اللّه، فدخل في الخواء الكَيانيّ تائِهًا في العَدَميّة عن حقيقة دعوته عند خلقه.

*        *        *

أيّها الأحبّاء، ما لَم نَرجع إلى اللّه بالتّوبة، ما لَم نعرف أنّ اللّه هو إلهٌ شخصيّ، أي يَبني مع كلّ إنسان علاقة خاصّة لأنّه محبّة، ما لَم نتبع يسوع المسيح الّذي عرَّفَنا باللّه الآب وكَشف لنا ذاته بالرّوح القدس، وما لَم نبحث عن حقيقتنا فيأعماقنا بالتّوبة والصّلاة، فسَنَعبُر الوجود ونخسر وجودنا، وسنتعاطى الحياة ونحن في الموت، وسنعتقد بأنّنا فرحين ونحن في خواء الحُزن.

لا تستقم حياتنا، ولا نربح وجودنا، ولا نحقّق إنسانيّتنا ما لَم نعرف المسيح، ونعود إلى اللّه بالتّوبة في طاعة الكلمة الإلهيّة بنعمة الرّوح القدس.

ومن له أذنان للسّمع فليسمع.

+ أنطونيوس

مـتروبوليــت زحلة وبعلبك وتوابعهـما

مواضيع ذات صلة